الدكتور يوسف عامر
وليس غريبًا أن يقوم أولئك الأبطال بالدفاع عن بلدهم، فإنهم من جند مصر، الذين هم خير أجناد الأرض، ولن نتكلم هنا بكلامنا، وإنما سننقل كلام بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، سننقل هنا جزءًا من خطبة جمعة خطبها سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه بمصر.
وقد روى هذه الخطبة الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم (ت257هـ) في كتابه «فتوح مصر والمغرب»، فذكر أنه سيدنا عمرًا رضي الله عنه، حمد الله، وأثنى عليه حمدًا موجزًا، وصلى على سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، وحض على الزكاة، وصلة الأرحام، وأمر بالاقتصاد، ونهى عن الفضول وكثرة العيال.
وكان مما قاله: ...حدثني عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرًا؛ فإن لكم منهم صهرًا وذمة»[الصهر هو كون السيدة مارية أم المؤمنين رضي الله عنها منهم، والذمة أي: العهد والحق والحرمة]، فعفوا أيديكم وفروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه [أي: يهتم بنفسه ولا يتهم بفرسه]، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته [ما يعطاه من مال] قدر ذلك، واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة؛ لكثرة الأعداء حولكم، وتشوق قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وحدثني عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة»....
ويكفينا هذا الجزء من الخطبة الذي يبين كيف أن جند مصر، وهم أبناؤها كلهم عند دفاعهم عنها، قد مدحهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أن الصحابة الكرام يعرفون أننا في جهاد دائم بسبب كثرة الأعداء والطمع في بلادنا.
ولا يفوتنا هنا أن نثمن هذه اللمحة الطيبة من سيادة رئيس الجمهورية حفظه الله في إصداره عفوًا رئاسيًّا في عيد الشرطة عن بعض المحكوم عليهم، وكأن هذا العفو جاء إشعارًا لهم بمعنى تلك المناسبة الوطنية التي يعتز بها أبناء الوطن.
حفظ الله مصر وأهله بلدًا آمنًا مستقرًا متقدمًا في شتى المجالات.