البث المباشر الراديو 9090
ثروت إمبابي
تعد صناعة الدواجن واحدة من أهم القطاعات الاقتصادية في مصر، حيث توفر أكثر من 3 ملايين فرصة عمل، كما تضع يدها على نحو 7% من إجمالي الناتج الزراعي، و4.2% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما تنتج مصر سنويًا نحو 1.6 مليار طائر وأكثر من 14 مليار بيضة، وهي أرقام لا يمكن الاستهانة بها في المنظور الاقتصادي العام، ما يجعلها واحدة من أكبر الدول المنتجة للدواجن في الشرق الأوسط وإفريقيا.

ورغم ما سبق، تواجه الصناعة تحديات كبيرة تتطلب رؤية استراتيجية وحلولًا مبتكرة تتجاوز الأساليب التقليدية، والتي يمكن ان تحدث تحولاً جذرياً في القطاع لضمان استدامتها وتحقيق الاكتفاء الذاتي خاصة بعد مرحلة من التقلبات التي كادت أن تؤدي بالصناعة الي النسيان، ومن أهمها زراعة مكونات الأعلاف باستخدام التكنولوجيا المتقدمة وإنتاج البروتين البديل عن طريق تطوير تربية الحشرات مثل يرقات الذباب الأسود (Black Soldier Fly)، والتي تحتوي على 60% بروتين، مما يوفر مصدرًا محليًا مستدامًا للأعلاف، واستخدام الطحالب الغنية بالأحماض الأمينية، والتي يمكن أن تقلل 30% من استهلاك الصويا والذرة المستوردة في الأعلاف، والتوجه للزراعة الرأسية للأعلاف بإنشاء مزارع هيدروبونيك (الزراعة المائية) لإنتاج العلف الخضراء، مما يخفض تكلفة الأعلاف بنسبة 40%.

وبات من الضرورى إنشاء "مدن داجنة" متكاملة عن طريق تصميم مجمعات متكاملة تشمل الإنتاج، الذبح، التغليف، التوزيع، والتصدير، بحيث يتم توطين الصناعة بالكامل في أماكن محددة لتحقيق أقصى كفاءة تشغيلية، وجعل هذه المدن صديقة للبيئة، عن طريق استخدام الطاقة المتجددة في تشغيلها للحد من التكاليف البيئية والاقتصادية، حيث يمكن إنشاء 5 مدن داجنة متكاملة على مستوى الجمهورية، بحيث تشمل جميع مراحل الإنتاج من التربية إلى التوزيع والتصدير.

وللعلم فإن مشروع مدينة الدواجن في الواحات البحرية المخطط له سيوفر أكثر من 10,000 فرصة عمل ويزيد الإنتاج المحلي بنسبة 15%، وهو نموذج يكاد يكون متكامل من الناحية الاقتصادية.

ومن الممكن أن يستخدم عنابر التربية المتحركة وليست ثابتة، هذا يتيح استخدام مخلفات الدواجن التي سيتم تربيتها في استصلاح الأراضي الصحراوية بعد كل دورة تربية، ما يوفر بدائل غير تقليدية للتسميد الطبيعي.

وبات من الضرورى استخدام الذكاء الاصطناعي والذى من خلاله يمكن استخدام أنظمة مراقبة ذكية وتركيب حساسات لمراقبة درجات الحرارة، الرطوبة، ونسبة الأمونيا داخل المزارع، وإرسال بيانات لحظية عبر تطبيقات الهاتف المحمول، وأيضاً روبوتات التغذية، والتي من خلالها يمكن ضبط كميات العلف والمياه بناءً على احتياجات كل طائر من البروتين والطاقة، ما يقلل نسبة الهدر والفاقد بما يقارب الـ20٪؜، وهي نسبة ليست بالقليلة مطلقا.

تطبيق الاقتصاد الدائري في الصناعة من خلال إعادة تدوير مخلفات الدواجن مثل الريش لإنتاج البروتين الحيوي أو الأعلاف السمكية وايضاً تحويل مخلفات الدواجن إلى غاز حيوي (Biogas) لاستخدامه في توليد الطاقة داخل المزارع.

علاوة على ذلك يجب إنشاء منصة إلكترونية متكاملة لبيع الدواجن مباشرة من المزارع إلى المستهلكين، ما يلغي الوسطاء ويزيد ربح المنتجين ومن الضرورى استخدام تقنيات البلوك تشين لضمان تتبع سلسلة الإمداد، مما يرفع من جودة المنتج وثقة المستهلكين.

وبعد تحقيق الاكتفاء الذاتي يمكن زيادة صادرات الدواجن من 50 مليون دولار إلى 500 مليون دولار سنويًا إذا تم تطبيق معايير الجودة العالمية مثل شهادات ISO وHACCP، ويجب إنشاء علامة تجارية وطنية للدواجن المصرية، والتركيز على الأسواق الإفريقية الخليجية، وتطوير شهادات جودة عالمية للدواجن المصرية لفتح أسواق جديدة في أوروبا وآسيا.

وبالتعاون مع القطاع الخاص ورجال الأعمال وضع برامج تمويل جماعي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وإطلاق منصات تمويل جماعي (Crowdfunding) لمساعدة صغار المربين على تطوير مشاريعهم وايضا تقديم قروض ميسرة، بفوائد منخفضة، لدعم الابتكار في القطاع.

وأصبح من الضرورى تبنى استراتيجيات تعليمية وتدريبية متطورة عن طريق إنشاء أكاديمية متخصصة في تربية الدواجن تستخدم تقنيات المحاكاة والواقع الافتراضي لتدريب الشباب على أحدث تقنيات الإنتاج ومقاومة الأمراض التي تسبب خسائر حوالى ٢٠٪؜.

وانطلاقا مما سلف، إذا تم تبني هذه الحلول المبتكرة والتقنيات الحديثة، يمكن أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا لصناعة الدواجن، ما يحقق الاكتفاء الذاتي، ويحسن من جودة الإنتاج، ويخلق آلاف من فرص العمل الواعدة ، ويوفر مليارات الدولارات من النقد الأجنبي، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030 حيث تضع مصر قدمها بالعلم على طريق المستقبل.

الدكتور ثروت إمبابي
أستاذ مساعد بكلية الزراعة جامعة بنها
ورئيس للجنة الزراعة والرى بحزب الوعي

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز