ثروت إمبابي
والاعتماد على العلم كركيزة أساسية، وبنية تحتية تخدم القطاع بكاملة، وتضع المزارع نقطة ارتكاز تدور حوله كافة السياسات للارتقاء به، وتذليل ما يواجهه من عقبات، حتى لا نحصد الفقر بدلا من القمح!.
في صمت، تخسر الدولة ملايين الجنيهات سنويًا بسبب فاقد المحاصيل، وسوء التخزين، وتعطّل سلاسل الإمداد. لا بسبب نقص الإنتاج، بل لأن الأرض تُنتج.. والبنية تخذل.
من هنا، تبدأ القصة، قصة الاستثمار في البنية التحتية الزراعية، ليس كخيار تنموي، بل كمعركة فاصلة بين النهوض والانهيار، وفي هذا السياق، يبرز الاستثمار في البنية التحتية الزراعية كحجر الزاوية لأي نهضة اقتصادية منشودة في مصر.
فالبنية التحتية الزراعية لا تقتصر على شبكات الري والصرف، بل تشمل طيفًا واسعًا من العناصر التي تؤثر مباشرة على جودة وكفاءة الإنتاج، من الطرق الزراعية التي تسهّل حركة المنتجات، إلى مراكز التخزين والتبريد التي تحمي المحاصيل من التلف، ومحطات التحلية ومعالجة المياه، وصولًا إلى مراكز التدريب والإرشاد الزراعي. ومن هنا، فإن تطوير هذه البنية يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه قدرة الدولة على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز صادراتها الزراعية.
وقد خطت مصر خطوات جادة نحو هذا الهدف خلال السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، أطلقت الحكومة مشروع “مستقبل مصر الزراعي” لاستصلاح أكثر من 1.5 مليون فدان، كما تم تحديث نظم الري التقليدية، واستبدالها بأنظمة أكثر كفاءة مثل الري بالتنقيط، إلى جانب التوسع في إنشاء الصوامع الحديثة التي رفعت الطاقة التخزينية للحبوب إلى أكثر من 3.5 مليون طن.
ليس هذا فحسب، بل إن إنشاء محاور الطرق الجديدة مثل محور الضبعة ربط المناطق الزراعية الجديدة بالأسواق وموانئ التصدير، ما يعكس حرص الدولة على تسهيل النقل اللوجستي وخفض فاقد الإنتاج.
ورغم هذه الخطوات الواعدة، لا يزال الطريق نحو تحقيق بنية زراعية قوية ومستدامة محفوفًا بالعديد من التحديات البنيوية. لعل من أبرزها: ضعف التمويل الموجّه للقطاع الزراعي مقارنةً بقطاعات أخرى، بالإضافة إلى نقص الشراكات الفاعلة بين القطاعين العام والخاص، مما يعيق تنفيذ مشروعات كبيرة تحتاج إلى رؤوس أموال وخبرات متنوعة، كما أن البيروقراطية وتعقيد الإجراءات الإدارية غالبًا ما تُثني المستثمرين، وتُبطئ من وتيرة التنمية، ناهيك عن نقص الكوادر البشرية المؤهلة، والاعتماد الكبير على المياه في ظل ندرتها.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على إعادة هيكلة منظومة التمويل الزراعي، وتقديم حوافز ضريبية وتسهيلات للمستثمرين في مجالات البنية التحتية، ولا سيما التخزين والتبريد والتصنيع الزراعي.
كذلك، فإن تحديث الإطار التشريعي والإداري أمر بالغ الأهمية لتسريع منح التراخيص، وتوفير أراضٍ مخصصة للأنشطة الزراعية بأسعار مناسبة، ولا يمكن إغفال أهمية التدريب وبناء القدرات، فبدون مزارعين وفنيين قادرين على استخدام التقنيات الحديثة، ستظل الاستثمارات تفتقر إلى الفاعلية على أرض الواقع.
وفي هذا الإطار، أرى أن الاستثمار في البنية التحتية الزراعية هو خيار وجودي، لا تنموي فقط، فمصر تمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهلها لقيادة ثورة زراعية شاملة، لكن غياب التكامل بين التخطيط والتنفيذ، وتأخر إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني، قد يحول دون تحقيق النتائج المرجوة.
الزراعة ليست قطاعًا قديمًا أو جامدًا كما يُعتقد، بل هي شريان حياة حقيقي يمكنه أن يحقق العدالة الاجتماعية ويُقلص الفجوة بين الريف والحضر إذا ما أُحسن استثماره.
ولعل نموذج الأقصر في تجفيف الطماطم خير مثال على الإمكانات الهائلة التي يملكها الريف المصري. فبفضل التعاون بين المزارعين، والدعم الفني من الدولة، والاستفادة من الطاقة الشمسية، أصبحت الأقصر تصدّر مئات الأطنان من الطماطم المجففة إلى أوروبا وأمريكا، ما خلق فرص عمل حقيقية، خاصةً للنساء، وفتح آفاقًا جديدة لسلاسل القيمة الزراعية في صعيد مصر.
في النهاية، إذا كانت مصر تسعى لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة، فإن الاستثمار في البنية التحتية الزراعية يجب أن يكون في قلب هذه الرؤية. فتطوير الزراعة لا يحقق فقط الأمن الغذائي، بل يعزز من قوة الدولة الاقتصادية، ويضع الأساس لنهضة تنموية حقيقية، لا سيما في المناطق الريفية.
وما نحتاجه اليوم ليس فقط سياسات طموحة، بل تنفيذ فعّال، وشراكات ذكية، وإرادة مجتمعية تتعامل مع الزراعة باعتبارها مشروعًا وطنيًا يتجاوز حدود الحقول ليشمل بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لكل المصريين.
د. ثروت إمبابى
أستاذ مساعد كلية الزراعة جامعة بنها.
رئيس لجنة الزراعة والرى بحزب الوعي.