البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
شكلت زيارة مجرم الحرب نتنياهو إلى المجر خلال الأيام الماضية تخبطا في الرأي العام العالمي، حيث قد أيد قلة هذه الزيارة، بينما رفضها وانتقدها معظم شعوب العالم، لأنها تمثل انتهاكا سافرا لنظام روما الأساسي بشأن المحكمة الجنائية الدولية، والذي ينبغي بمقتضى هذا النظام قيام السلطات المجرية باعتقال نتنياهو وتقديمة للقضاء، لمحاكمته على ارتكابه الجرائم الوحشية والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.

وجدير بالذكر أن المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت من قبل مذكرة اعتقال بحق مجرم الحرب نتنياهو ووزير دفاعه حينذاك غالانت، ووفقا لنظام هذه المحكمة يجب على الدول الأعضاء أن تعتقل أي شخص مطلوب للمحاكمة، وهو ما لم تفعله المجر خلال الأيام الماضية بمناسبة زيارة نتنياهو لها، حيث قد ضربت الإدارة المجرية بعرض الحائط كل تعهداتها والتزاماتها القانونية، باعتبارها دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية.


وكي تفلت الإدارة المجرية من تلك الالتزامات، أعلنت تزامنا مع زيارة نتنياهو لها، انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، وقد قوبل هذا الموقف بالدهشة والاستهجان من قبل معظم شعوب العالم، وعلى وجه الخصوص من قبل الشعوب العربية، وقد وضع هذا التوجه المجري العاصمة بودابست في مأزق كبير، ليس فقط مع أشقائها من عواصم الاتحاد الأوروبي، ولكن أيضا مع كل المنادين باحترام حقوق الإنسان، واحترام القرارات الدولية.


وإذا كانت حكومة المجر قد اعتقدت أن إعلان انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، قد يكون الثغرة التي تنقذها من قرارها المشبوه باستقبال مجرم الحرب نتنياهو وعدم اعتقاله، فإن ذلك ليس صحيحا على الإطلاق من الناحيتين السياسية والقانونية على النحو التالي:


أولا: من الناحية السياسية: لقد وضع قرار الحكومة المجرية بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية العاصمة بودابست في حرج شديد مع شعوب الاتحاد الأوربي ومع الشعب المجري ذاته، وخاصة مع هؤلاء الذين يطالبون بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض كل أشكال العنصرية، وإدانة ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية.

كما أن القرار المجري قد وضع السياسة الأوربية بشأن القضايا الحقوقية في نفق مظلم لا تستطيع الخروج منه بسهولة، نظرا لغياب المبرر المقنع بشأن الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية تزامنا مع زيارة مجرم الحرب نتنياهو المطلوب للعدالة الدولية.


ثانيا: من الناحية القانونية: قد أثار موضوع انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية العديد من التساؤلات، يأتي في مقدمتها ما أثر هذا الانسحاب على التزامات المجر القانونية بشأن اعتقال مجرم الحرب نتنياهو؟، وهل بهذا الانسحاب قد هربت الحكومة المجرية من التزاماتها وفقا لنظام روما الأساسي؟.


في حقيقة الأمر، يمكن توضيح ذلك الأمر من خلال ما جاء في نص المادة 127 من هذا النظام، حيث قد نصت هذه المادة على:

1- لأية دولة طرف أن تنسحب من هذا النظام الأساسي بموجب إخطار كتابي يوجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويصبح هذا الانسحاب نافذاً بعد سنة واحدة من تاريخ تسلم الإخطار، مالم يحدد الإخطار تاريخاً لاحقاً لذلك.


2- لا تعفى الدولة، بسبب انسحابها، من الالتزامات التي نشأت عن هذا النظام الأساسي أثناء كونها طرفاً فيه، بما في ذلك أي التزامات مالية قد تكون مستحقة عليها، ولا يؤثر انسحاب الدولة على أي تعاون مع المحكمة فيما يتصل بالتحقيقات والإجراءات الجنائية التي كان على الدولة المنسحبة واجب التعاون بشأنها والتي كانت قد بدأت في التاريخ الذي أصبح فيه الانسحاب نافذا، ولا يمس على أي نحو مواصلة النظر في أي مسألة كانت قيد نظر المحكمة بالفعل قبل التاريخ الذي أصبح فيه الانسحاب نافذا.


ويتضح من هذا النص، أن قرار انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية لا يمكن أن يكون نافذا إلا بعد مضي سنة من تاريخ تسليم إخطارها بالانسحاب للأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما لم يحدث بشأن الحالة المجرية، ومن ثم فإن مسألة اعتقال نتنياهو تكون ملزمة لحكومة المجر، ولا يمكن قبول حيلتها المشبوهة بإعلان الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية كمبرر لعدم اعتقال نتنياهو.


وبعيدا عن أي التزام قانوني أو سياسي، ونظرا لقيام نتنياهو بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني البريء، فإن الالتزامات والقيم الأخلاقية قد كانت تحتم على حكومة المجر اعتقال نتنياهو عند زيارته للمجر الأيام الماضية، أو حتى على الأقل عدم السماح بهذه الزيارة، منعا لوقوع هذه الحكومة في مأزق أخلاقي وسياسي وقانوني على حد سواء.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز