البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
منذ أن تولى دونالد ترامب الإدارة الأمريكية في يناير الماضي، انتظرت معظم شعوب العالم تنفيذ وعوده التي أدلى بها قبيل الانتخابات الرئاسية، لكن قد فوجئ الجميع بترامب آخر خلاف ترامب الذي كان في مرحلة الحملة الانتخابية، وقد كانت أهم وعوده تحقيق السلام العالمي، وأن يسود الاستقرار معظم دول العالم، كما أنه قد وعد العرب المقيمين في أمريكا بحل جذري للقضية الفلسطينية، وأن يعم السلام منطقة الشرق الأوسط بأكملها!

ولكن كما يقولون تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد أتى ترامب إلى البيت الأبيض، وقد كانت أولى قراراته وتصريحاته تنم عن رجل صفقات وليس رجل دولة، لما تضمنته من ابتزاز للعديد من الدول، وكأنه رئيسا للعالم كله، وليس للولايات المتحدة الأمريكية فقط، وقد كانت معظم تصرفاته تدل على أنه رجل لا يحترم سيادة الدول، ولا يؤمن بحقوق الشعوب، بل قد كانت تعبر عن رجل لا يرى سوى مصلحة المسار الصهيوني، حتى لو كان ذلك على حساب أمريكا نفسها، مما أدى إلى انتشار حالة من التذمر بين معظم أبناء الشعب الأمريكي، خوفا على مستقبل دولتهم، في ظل السياسات غير المفهومة التي ينتهجها ترامب منذ توليه المسئولية!

وقد اتخذ ترامب من سياسة الابتزاز منهجا له في إدارته، سواء قد كان ذلك على المستوى السياسي، أو على المستوى الاقتصادي، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:

أولا: على المستوى السياسي: قد أربك ترامب المشهد السياسي العالمي، بتصرفاته غير المسئولة بشأن الصراع في منطقة الشرق الأوسط، سواء الصراع في سوريا، أو في منطقة البحر الأحمر، أو المشكلة الإيرانية، ويأتي على رأس كل ما سبق القضية الفلسطينية وحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

فلم ينفذ ترامب وعوده بشأن تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط، وقد اتخذ طريقا واحدا يهدف فقط إلى تحقيق مصالح الإسرائيليين، ودعم أجندة نتنياهو التخريبية، فقد قضى على الدولة السورية، محطما جيشها، وكل مقدراتها، داعما لهيئة تحرير الشام، التي قد كان واصفا لها بالمنظمة الإرهابية، وقد فتح المجال للجيش الإسرائيلي للتوسع داخل الأراضي السورية، ضاربا بعرض الحائط كل الاتفاقيات وقواعد الشرعية الدولية!

كما قد أعطى الضوء الأخضر لنتنياهو لتنفيذ مجموعة من الاغتيالات لبعض قادة إيران، وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط، مما قد أدى إلى تفاقم حدة الصراع بين إيران وإسرائيل، ومما قد أدى أيضا إلى تصاعد حدة التوترات في منطقة البحر الأحمر، بسبب قيام حلفاء إيران ممثلين في الحوثيين بضرب الملاحة البحرية، وتهديد السفن العابرة، وقد ترتب على ذلك الإضرار بمصالح دول المنطقة، ويأتي على رأسها مصر، حيث قد حدثت خسائر لقناة السويس تتجاوز الثمانية مليار دولار تقريبا في السنة الواحدة!

وما زاد من حالة التوتر وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، هو ذلك الموقف غير المسئول الذي سلكه ترامب ضد القضية الفلسطينية، حيث قد أعلن وبوضوح انحيازه الكامل للمشروع الصهيوني، وقد طالب بتهجير الفلسطينيين من غزة، وقد أعتقد أن نجاحه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ضد الديمقراطيين قد أعطاه المزيد من القوة والغطرسة، ليملي على العالم أجندته دون نقاش!

ولكن قد فوجئ ترامب بالقيادة السياسية المصرية تلقنه درسا في القيم الإنسانية، والثوابت التي لا يمكن التخلي عنها، وأن تهجير الفلسطينيين لا يمكن قبوله، وأن تصفية القضية الفلسطينية لا يمكن أن يتم السماح بها، وأن أي محاولات تآمريه لتهديد الأمن القومي المصري، ستكون لها مصر بالمرصاد!

ثانيا: على المستوى الاقتصادي: قد أثبتت المواقف أن ترامب لا يتعامل مع دول العالم كرجل دولة، ولكن كسمسار صفقات، تهدف في المقام الأول إلى ابتزاز الدول، لتحقيق الهيمنة الاقتصادية، والحصول على أعلى المكاسب المادية حتى لو قد كانت على حساب مصالح الشعوب!

فلم يتراجع عن فرض العديد من الرسوم الجمركية على معظم دول العالم، لإحداث خلخلة اقتصادية في هذه الدول، كما أنه لم يخجل من ابتزاز بعض الدول في المنطقة ويطلب منها مئات المليارات ملوحا بتهديد أي نظام حاكم إذا لم تتم الاستجابة إلى مطالبه!

وها هو خلال هذه الأيام يطالب مصر بأن يتم إعفاء السفن العسكرية والتجارية الأمريكية من رسوم قناة السويس، بل ويعلن بكل بجاحه فيما معناه أن أمريكا هي التي قد أنشأت قناة السويس وحافظت عليها، وهذا ليس غريبا على جاهل للتاريخ، وناكرا له، لأنه لو قد كان عالما بالتاريخ، ما قد كان تصرف وصرح هذا التصريح الخائب!

وفي ظل كل ما سبق، يجب على كل قادة وشعوب المنطقة أن يتكاتفوا، ويتماسكوا، ويقفوا وراء القيادة السياسية المصرية نظرا لمواقفها الثابتة تجاه كافة قضايا الوطن والمنطقة، لأن عدم التكاتف سيؤدي إلى استمرار ترامب في نهج سياسة الابتزاز، والطمع، في خيرات ومقدرات الدول، وهو ما لا يمكن أن تتقبله الشعوب عاجلا أم آجلا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز