البث المباشر الراديو 9090
نهى المأمون
تخيل أن تستيقظ صباحًا لتجد أحدهم يطالبك بأن تسمح له باستخدام بيتك مجانًا!.... هذا بالضبط، ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين صرَّح بأن السفن الأمريكية ينبغي أن تعبر قناة السويس دون دفع رسوم، وكأن الممر الملاحي الأشهر في العالم أصبح فجأة ضمن العروض الترويجية الصيفية!

وبينما يتناقل بعضهم هذه التصريحات بدهشة، كان التاريخ يبتسم ساخرًا من بعيد؛ يذكرنا بأن قناة السويس لم تكن يومًا ممرًا مجانيًا، ولن تكون!

لمن لا يعرف، أو تناسى، فإن قناة السويس ليست ممرًا شُيِّد بالأحلام، أو بالرغبات السياسية! إنها مشروع هندسي عظيم بدأه المهندس الفرنسي فرديناند ديليسبس، ولكن على أرض مصرية، وبأيدٍ مصرية، وبكلفة إنسانية دفعها الشعب المصري؛ حين بذل آلاف العمال حياتهم في سبيل إنجازه.

منذ افتتاحها عام 1869، ظلت القناة شريانًا حيويًا يربط الشرق بالغرب، وخلال أكثر من قرن ونصف، لم تُفتح مجانًا أمام أحد، ولم تُخصَم رسومها لأي علم مرفوع على صاري سفينة.

الرئيس ترامب - المعتاد على حسابات الفنادق، وصفقات الجولف - يبدو أنه ظن أن قناة السويس تُدار بمنطق "اشترِِ ليلة واحصل على ليلة مجانية!" غير أن الممرات الملاحية الدولية لا تخضع لهذا النوع من العروض؛ فكل سفينة تمر عبر القناة تُسدِّد الرسوم المُقررة، وفقًا لجداول مُعلَنة، بغض النظر عن جنسيتها، أو الغاية من رحلتها.

الحياد والمساواة هما ما حمى القناة طوال تاريخها من الانحياز، أو التسييس. وأي خروج عن هذه القاعدة كان كفيلًا بإشعال أزمات دولية، كما شهدنا مرارًا في التاريخ.

وطالما أن السيد ترامب من محبي المقارنات، فلنذكره بأن الولايات المتحدة نفسها كانت تدير قناة بنما لسنوات طويلة، وكانت تفرض على كل سفينة رسومًا بلا استثناء، حتى تلك التي كانت ترفع العلم الأمريكي! فكيف يصبح ما كان عادلًا، ومقبولًا في بنما، مطلَبًا للجدل حين يتعلق بالأرض المصرية؟!

حين أمَّم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس عام 1956، كان يعلن أن السيادة الوطنية لا تقبل التفاوض ولا المساومة.

وقد رسَّخت مصر - منذ ذلك الحين - قاعدة ذهبية "قناة السويس مفتوحة أمام الملاحة الدولية، ولكنها تحت السيادة الكاملة للدولة المصرية، ووفق شروطها العادلة".

لا استثناءات، لا معاملة خاصة، ولا عبور مجانيًا حتى لو جاء الطلب ممهورًا بتوقيع رئيس لدولة عظمى!

إذا كان هناك من يحلم بممر ملاحي مجاني، فليحفر قناة أخرى أينما شاء! وليضع لها القواعد التي تحلو له! أما قناة السويس؛ فهي باقية بكرامتها، مرفوعة الرأس كما حُفرت بالدم، ومُحصَّنة بإرادة شعب لم يعرف يومًا، معنى التفريط.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز