نهى المأمون
في عالم المؤسسات، يعرف الجميع أهمية الميثاق الأخلاقي أو الكود الأخلاقي للشركات، الذي يحدّد إطارًا واضحًا للسلوكيات المقبولة ويضمن الشفافية والنزاهة.
هذا الإطار الأخلاقي يتيح تقييم الأفعال وتصحيح الانحرافات، وهو نموذج يمكن أن نستلهمه في حياتنا اليومية. لكن في الأسرة، وفي العلاقات الإنسانية، وفي المجتمع ككل، كثيرًا ما نفتقد إلى مرجعية أخلاقية واضحة. النتيجة؟ صراعات يومية بين ما يُتوقَّع وما يُمارَس، وانحراف عن القيم الأساسية مثل الصدق والاحترام والعدالة.
تظهر هذه الفجوة الأخلاقية في الظواهر الاجتماعية الحديثة: الغش، والفساد، والفردية المفرطة، وانحلال المعايير الأخلاقية ببعض ما يتناوله الفن. وأكثر من ذلك، يبدو أن هذا التراجع مرتبط بتأثيرات خارجية، مثل العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي، وما يمكن أن نسميه «الحرب الناعمة» التي تهدف إلى تمييع الهوية الثقافية وإضعاف القيم المجتمعية تدريجيًا.
الفن، الذي كان تاريخيًا مرآة للمجتمع وأداة لتعليم الفضيلة والتمييز بين الصواب والخطأ، أصبح اليوم، في كثير من الحالات، أداة لتطبيع الخطأ وجعل الممارسات غير الأخلاقية مألوفة. فيلم «أرض النفاق» يُعَدّ نموذجًا كلاسيكيًا لفلسفة الأخلاق، حيث يقدّم صراع الفضيلة مع الرذيلة بطريقة فلسفية عميقة، ويعيد للمشاهد إدراك حدود الخير والشر، والحق والباطل، في الحياة اليومية.
لكن الأخلاق ليست مجرد قواعد شخصية أو تقاليد قديمة. على المستوى الدولي، يمثّل ميثاق حقوق الإنسان للأمم المتحدة إطارًا عالميًا للحقوق والحريات الأساسية، ويعكس التزام المجتمع الدولي بالقيم الإنسانية الجوهرية: الكرامة، والعدالة، والمساواة، واحترام القانون.
هذا الميثاق، في جوهره، يشبه الكود الأخلاقي للشركات، لكنه على مستوى البشرية: مرجع لكل فرد ومجتمع لضمان ألّا تُنتهك الحقوق، وأن تحافظ الإنسانية على حدّها الأخلاقي.
السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه: هل فقد مجتمعنا مرجعيته الأخلاقية بسبب التحولات الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية فقط، أم أن هناك مخططًا لتوجيه السلوك العام وإعادة تشكيل الهوية وفق مصالح محددة؟ الإجابة غالبًا مزيج من الاثنين.
فبينما تؤثر العولمة والرقمنة في سلوك الأفراد، هناك أيضًا محاولات لإضعاف القيم التقليدية وجعل الخطأ مألوفًا ومستساغًا، سواء عبر بعض ما يقدم بالفن أو بعض السياسات الاجتماعية.
العودة إلى ميثاق أخلاقي شخصي ومجتمعي، قائم على الصدق، والاحترام، والعدالة، والمسؤولية، ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة للحفاظ على تماسك المجتمع واستمرارية الهوية الثقافية.
ومع بداية العام الجديد، يظل التساؤل المحوري: كيف يمكن لكل فرد أن يكون جزءًا من استعادة هذه القيم، وأن يسهم في بناء مجتمع يوازن بين تقاليده العميقة ومتطلبات العصر الحديث؟