نهى المأمون
لم أستطع مشاهدة مراسم الافتتاح بعين المشاهد العادي، لأن ذاكرتي أخذتني في رحلة إلى سنوات الدراسة داخل كلية الدفاع الوطني والأكاديمية العسكرية العليا. هناك، لم أتعلم كيف أقرأ الأحداث فحسب، بل كيف أقرأ ما وراء الأحداث. تعلمت أن الأمن القومي ليس مصطلحًا يُكتب في الكتب، بل هو نبض وطن، وأن صناعة القرار ليست رفاهية، وإنما مسؤولية قد يتوقف عليها مصير أجيال كاملة.
أتذكر جيدًا محاضرات استراتيجيات الأمن القومي، وإدارة الأزمات، والتفاوض، واتخاذ القرار. يومها كنت أخرج من القاعة وأنا أشعر أنني أرى العالم بصورة مختلفة؛ فكل أزمة لها جذور، وكل قرار له ثمن، وكل دولة قوية هي في الحقيقة دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه.
ولذلك، عندما ظهر "الأوكتاجون" أمامي بكل هذا الحجم والتنظيم، شعرت أنني أرى درسًا من تلك الدروس وقد تحول إلى حقيقة. رأيت فكرة التخطيط وقد ارتدت ثوبًا من الخرسانة والزجاج. رأيت مؤسسة لا تبني حاضرًا فقط، وإنما تستعد لعقود قادمة.
في زمن تتغير فيه موازين القوى كل يوم، لم يعد امتلاك السلاح وحده معيار القوة، بل أصبحت القوة الحقيقية في كفاءة الإدارة، وسرعة تبادل المعلومات، والقدرة على التنسيق، والاستعداد لكل الاحتمالات قبل أن تتحول إلى أزمات. ومن هنا جاءت أهمية هذا الصرح، الذي يُعد من أكبر مقرات القيادة العسكرية في الشرق الأوسط، ويضم منظومة متكاملة للقيادة والسيطرة، في إطار رؤية الدولة لتطوير مؤسساتها وبناء عاصمة إدارية حديثة تواكب متطلبات المستقبل.
ولأن مصر ليست دولة عادية في موقعها الجغرافي أو دورها الإقليمي، فإن مسؤولياتها ليست عادية أيضًا. دولة تتوسط ثلاث قارات، وتحمي أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتجاور مناطق تشهد اضطرابات مستمرة، لا تملك رفاهية الانتظار أو رد الفعل. إنها مطالبة دائمًا بأن تكون مستعدة، وهذا ما شعرت أن "الأوكتاجون" يجسده بكل وضوح.
وأنا أتابع المشهد، تردد في ذهني بيت أمير الشعراء أحمد شوقي:
"وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه... نازعتني إليه في الخلد نفسي."
كم بدا هذا البيت صادقًا في تلك اللحظة. فحب الوطن ليس انفعالًا عابرًا يظهر في المناسبات، بل معرفة، ووعي، وإيمان بأن لكل فرد دورًا في حماية هذا الوطن، مهما اختلف موقعه.
وربما لهذا السبب شعرت بالامتنان لتلك السنوات التي قضيتها أدرس في مؤسسات علمتني أن الانتماء لا يكتمل إلا بالوعي، وأن الوطنية ليست كلمات تُقال، وإنما مسؤولية تُمارس. لقد خرجت من تلك التجربة وأنا أكثر إدراكًا لتعقيدات العالم، وأكثر يقينًا بأن الدول التي تخطط للمستقبل هي وحدها القادرة على صناعته.
الأوكتاجون، بالنسبة لي، ليس مجرد مبنى هندسي مهيب، بل رسالة سياسية واستراتيجية قبل أن يكون إنجازًا عمرانيًا. رسالة تقول إن مصر تدرك حجم التحديات، وتبني مؤسساتها بعقل يسبق الزمن، وأنها تنظر إلى أمنها القومي باعتباره استثمارًا في استقرار المنطقة بأكملها، لا مجرد حماية للحدود.
ولعل أجمل ما شعرت به في نهاية الافتتاح أنني لم أرَ الحجر، بل رأيت الإنسان الذي سيعمل داخله، والعقل الذي سيتخذ القرار، والإرادة التي ستظل تحرس هذا الوطن. فالمباني، مهما بلغت عظمتها، لا تصنع التاريخ وحدها، وإنما يصنعه الإنسان المؤمن برسالته.
يقول الشاعر محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة." وأضيف من عندي: وعلى هذه الأرض أيضًا ما يستحق أن نخطط له، وأن نحميه، وأن نؤمن به.
خرجت من متابعة الافتتاح وأنا أكثر اطمئنانًا من ذي قبل، وأكثر اقتناعًا بأن قوة الدول لا تُقاس بما تملكه اليوم فقط، بل بما تستعد له غدًا. وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي تعلمته قديمًا، ورأيته اليوم ماثلًا أمام عيني في صورة "الأوكتاجون"؛ أن الوطن الذي يحسن الاستعداد للمستقبل، هو الوطن الذي يملك حقًا أن يطمئن إليه أبناؤه.