البث المباشر الراديو 9090
نهى المأمون
في كل موسم انتخابي داخل نادٍ رياضي، أو جمعية تعاونية، أو قرية سياحية، أو اتحاد ملاك، أو مركز شباب، يتكرر المشهد ذاته بأسماء مختلفة. لافتات، ووعود، وصور براقة، ورسائل دعائية، وحشد للأصدقاء والأقارب، بينما يغيب السؤال الأهم.. «هل من يطلب المنصب هو الأكثر قدرة على خدمته؟»

العمل العام والخدمي في جوهره ليس وجاهة اجتماعية، ولا لقبًا يضاف إلى بطاقة التعارف، ولا صورة تزين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. إنه مسؤولية يومية تتطلب خبرة، ووقتًا، وتفرغًا نسبيًا، وقدرة على التعامل مع الأزمات والمشكلات قبل الاحتفالات والمناسبات. ومع ذلك، أصبحنا نشهد في كثير من الأحيان ظاهرة مقلقة، وهي صعود أصحاب الحضور الإعلامي والصوت المرتفع والشهرة الاجتماعية إلى مواقع يفترض أن يكون معيارها الأول هو الكفاءة والقدرة على العطاء.

ففي بعض الانتخابات الخدمية، يتحول التنافس من منافسة برامج إلى منافسة صور. ومن مقارنة الخبرات إلى مقارنة عدد المؤيدين والمجموعات المنظمة. ويصبح السؤال المطروح.. "من الأكثر شهرة؟" بدلًا من "من الأكثر قدرة؟".

ومن أكثر النماذج إثارة للتساؤل أن نجد مرشحًا لمجلس إدارة جمعية أو قرية أو نادٍ يُقيم خارج المدينة أصلًا، وربما خارج الدولة لعدة أشهر من العام.

وهنا لا يتعلق الأمر بالتشكيك في نواياه أو وطنيته أو حبه للمكان، وإنما بطرح سؤال منطقي: كيف يمكن لمن لا يتواجد في قلب الحدث أن يدير تفاصيله اليومية؟

هل سيتمكن من حضور الاجتماعات الطارئة؟ هل سيكون موجودًا عند حدوث أزمة مفاجئة أو مشكلة عاجلة؟ هل يستطيع متابعة التنفيذ اليومي للقرارات؟ وهل يمكنه التواصل المباشر مع الأعضاء والاستماع إلى شكاواهم ومطالبهم؟

الإدارة ليست إدارة عن بُعد في كل الأحوال، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بخدمات تمس الحياة اليومية للأعضاء أو السكان. فالوجود الميداني ليس رفاهية، بل جزء أساسي من متطلبات النجاح.

لكن على الجانب الآخر، تظهر مشكلة لا تقل خطورة، وهي احتكار مجموعة أو "شلة" معينة للمناصب لسنوات طويلة. فتتحول المؤسسات الخدمية إلى دوائر مغلقة، يتبادل أفرادها المواقع ذاتها، وتصبح الانتخابات مجرد إعادة توزيع للأدوار بين الوجوه نفسها.

هذا الاحتكار يؤدي تدريجيًا إلى غياب الدماء الجديدة، وإحباط الكفاءات الشابة، وفقدان التنوع في الأفكار والرؤى. كما أنه يخلق حالة من الاستقطاب بين "أصحاب النفوذ" و"باقي الأعضاء"، بما يضعف روح المشاركة ويحول المؤسسات الخدمية من مساحات عامة إلى مناطق نفوذ خاصة.

وفي المقابل، فإن الدفع المستمر نحو التغيير دون ضوابط ليس حلًا أيضًا. فليست كل الوجوه الجديدة مؤهلة، وليست كل الخبرات القديمة فاشلة. لذلك فإن المعادلة الصحيحة ليست بين القديم والجديد، وإنما بين الكفاءة وعدم الكفاءة.

وتشير العديد من الدراسات الدولية الخاصة بإدارة المنظمات غير الربحية والجمعيات الأهلية إلى أن فعالية مجالس الإدارة ترتبط بثلاثة عوامل رئيسية: الخبرة، والتنوع، والالتزام الزمني. وهذه العوامل الثلاثة غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من الشهرة أو الشعبية الانتخابية.

والحقيقة أن الانتخابات الخدمية تمثل صورة مصغرة للمجتمع نفسه. فما يحدث داخل نادٍ أو جمعية أو اتحاد ملاك ليس معزولًا عن الثقافة السائدة خارجه. فإذا انتصر أصحاب الشعارات على أصحاب البرامج، فهذا انعكاس لثقافة مجتمعية. وإذا فضّل الناخب العلاقات الشخصية على الكفاءة، فهذا انعكاس لقيم اجتماعية قائمة. وإذا استمر الاحتكار أو الإقصاء أو الاستقطاب، فهذه أيضًا مرآة لما يحدث في دوائر أوسع.

لهذا فإن إصلاح العمل العام يبدأ من إصلاح معايير الاختيار. فبدلًا من السؤال: "من أعرف؟" يجب أن يصبح السؤال: "من يستطيع أن يقدم؟". وبدلًا من الانبهار بالصورة، ينبغي التدقيق في السيرة الذاتية. وبدلًا من الاكتفاء بالوعود، يجب تقييم الإنجازات السابقة.

كما يمكن تعزيز الشفافية من خلال إلزام المرشحين بعرض برامج عمل واضحة، وإعلان معدلات حضور الاجتماعات، ونشر تقارير دورية عن الأداء، ووضع معايير تحدد الحد الأدنى من التواجد الفعلي للمسؤولين المنتخبين.

فالعمل الخدمي ليس مسابقة شعبية، وليس منصة للشهرة، وليس مكافأة اجتماعية. إنه عقد ثقة بين الأعضاء ومن يمثلهم. وكلما ارتفعت معايير الاختيار، ارتفع مستوى الخدمة. وكلما انتصرت الكفاءة على الضجيج، أصبحت المؤسسات أقوى وأكثر قدرة على تحقيق أهدافها.

في النهاية، ليست الأزمة في المرشح وحده، ولا في مجلس الإدارة وحده، بل في الثقافة التي تسمح بأن يتحول العمل الخدمي إلى سباق شهرة، أو إلى دائرة مغلقة تتوارثها الأسماء نفسها عامًا بعد عام. فالمناصب لا تُدار بالصور، ولا بالهتافات، ولا بعدد المؤيدين على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بالوقت والجهد والخبرة والقدرة على الحضور حين يغيب الجميع.

وحين يختار الناس صاحب الصوت الأعلى بدلًا من صاحب الكفاءة، أو يفضلون دائرة المصالح على دائرة الخبرة، فإن الخسارة لا تقع على مؤسسة بعينها، بل على المجتمع كله. لأن النادي، والجمعية، والقرية، واتحاد الملاك، ليست سوى نسخة مصغرة من الوطن الكبير.

ولهذا يبقى السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسبق كل عملية تصويت.. «هل نبحث عمن يملأ الصورة أم عمن يملأ الفراغ؟ عمن يجيد الظهور أم عمن يجيد العمل؟» فالمجتمعات لا تتقدم بمن يطلبون المناصب، بل بمن يتحملون مسؤوليتها. والتاريخ لا يتذكر من رفعوا الشعارات، بل من تركوا أثرًا حقيقيًا خلفهم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز