البث المباشر الراديو 9090
نهى المأمون
في كثير من اللحظات التي عايشتها خلال عملي ضمن كواليس مؤتمرات المناخ، لا سيما أثناء مؤتمر الأطراف الرابع عشر COP14، ثم في مؤتمر المناخ العالمي COP27، كنت ألاحظ مشاهد لا تنقلها الكاميرات.

رأيت وزيرة مصرية تتنقل بثقة بين القاعات، تفاوض وفودًا دولية، تدير الحوارات، وتجمع بين الحزم والمرونة في آنٍ واحد، لم يكن ذلك مجرد أداء رسمي، بل كان صوتًا مصريًا يُحسن مخاطبة العالم بلغة عقلانية وواعية، تنبع من إيمان حقيقي بالمسؤولية.


اليوم، لم يعد تمكين المرأة المصرية مجرد خطاب إنشائي، بل واقع متحقق يترسخ مع كل إنجاز دولي جديد، ولم تعد مشاركة مصر في المحافل الأممية مجرد حضور شكلي، بل باتت قيادة حقيقية في قضايا مفصلية، يأتي ملف المناخ في طليعتها، باعتباره التحدي الأكبر الذي تواجهه الإنسانية في هذا القرن.


في هذا السياق، جاء اختيار الدكتورة ياسمين فؤاد، وزيرة البيئة المصرية، لرئاسة مجموعة مفاوضات تمويل المناخ التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (CBD) ليؤكد هذا التوجّه المصري الصاعد، اختيارٌ لم يكن وليد الصدفة، بل حصيلة عمل ممتد ومثمر، أظهرت فيه الوزيرة كفاءة لافتة، وشغفًا بقضية البيئة، واستعدادًا لتحمّل مسؤوليات كبرى تتجاوز الإطار المحلي نحو المشهد الدولي.


ما تحققه الدكتورة ياسمين فؤاد اليوم هو امتداد لموجة نسائية مصرية صاعدة، تفرض نفسها بالكفاءة وليس بالمجاملات، وبالمنجزات لا بالشعارات، ويكفي أن نستحضر هنا نموذجًا آخر ملهمًا يتمثل في الدكتورة غادة والي، التي تشغل منصب المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ونائبة الأمين العام للأمم المتحدة، وهي أول امرأة من الشرق الأوسط تتقلّد هذا المنصب، في دلالة قوية على ما باتت تمثله المرأة المصرية من ثقل وموثوقية دولية.


إن تمكين المرأة في مصر لم يعد ملفًا تابعًا لأجندة التنمية، بل صار أحد أدواتها الفعلية، إذ تُسهم النساء المصريات اليوم في صناعة القرار، سواء في الداخل أو على طاولة التفاوض الدولية، ويقدن ملفات حساسة مثل المناخ، العدالة البيئية، وحقوق الأجيال القادمة.


ولعل الأهم من كل ذلك، أن هذه النماذج أصبحت تمهّد الطريق لأجيال شابة من الفتيات المصريات، ليدركن أن الحلم ممكن، والمكان في الصفوف الأمامية ليس حكرًا على أحد، وأن الكفاءة والعلم والإرادة يمكن أن تُمهّد الطريق إلى مواقع التأثير الحقيقي.


وفي ظل عالم يتغيّر بسرعة، وتحديات بيئية متزايدة، فإن مصر من خلال نسائها لا تكتفي بأن تكون جزءًا من النقاش العالمي، بل تسعى بكل جدية إلى أن تكون من بين من يضعون جدول أعماله.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز