نهى المأمون
بعد أيام قليلة، سيتوجه العالم بأسره نحو القاهرة، حيث يتقاطع الماضي مع المستقبل، ويُولد من جديد مجد الحضارة المصرية في أبهى صورة عرفها التاريخ الحديث.
إن افتتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد مناسبة ثقافية أو احتفال أثري، بل هو إعلان صريح عن عودة الروح المصرية إلى مكانتها التي تستحقها بين الأمم. فها هو أكبر متحف أثري في العالم يفتح أبوابه ليحمل للعالم شهادة حيّة على عبقرية الإنسان المصري، الذي شيّد حضارة ما زالت تنبض بالحياة بعد آلاف السنين.
يضم المتحف أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، تتقدّمها كنوز الملك الشاب توت عنخ آمون، التي تُعرض لأول مرة في عرضٍ متكاملٍ يأسر الألباب. كل قطعة، وكل تمثال، وكل أثر، يروي فصلًا من حكاية الإنسانية منذ أن سطّر المصري القديم أول حروف الخلود على جدران المعابد.
وسيشهد حفل الافتتاح حضورًا رفيع المستوى من رؤساء العالم وقادة الحكومات والمنظمات الدولية، وعلى رأسهم منظمة اليونسكو برئاسة مرشحها المصري الدكتور خالد العناني، الذي كان أحد أبرز المهندسين الروحيين لهذا الحلم العظيم. إن حضور العالم لمصر اليوم ليس مجرد مشاركة بروتوكولية، بل هو اعتراف عالمي بأن مصر استعادت ريادتها الثقافية والحضارية.
وسيكون حفل الافتتاح سيمفونية فريدة تمزج بين الحضارة والفن، حيث يجتمع العازفون من مختلف الجنسيات ليعزفوا بأوتارهم ألحانًا تعبّر عن وحدة الإنسانية أمام عظمة التاريخ المصري. سيمتزج صوت الناي المصري بنبض الكمان الأوروبي، في مشهدٍ إنساني بديع يقول للعالم: هنا مصر… هنا مهد الإبداع وموئل الجمال.
إن المتحف المصري الكبير ليس مجرد بناء من حجر، بل هو قصيدة وطنية منقوشة في قلب الزمن. إنه رمز لقدرة هذا الوطن على النهوض مهما تعاقبت العصور، وعلى تجديد ذاته دون أن يفقد جذوره. من بين جدرانه العظيمة، تنبعث رسالة مصر إلى العالم: "لقد حفظنا التاريخ لا لنُغلق عليه الأبواب، بل لنهديه لكم… هديةً من حضارةٍ لا تعرف الزوال".
اليوم، ونحن نقترب من لحظة الافتتاح، تشعّ شمس مصر من جديد، شمسٌ ذهبية استعادت دفئها ونورها، لتضيء طريق الإنسانية كما كانت دائمًا.
نعم، إن مصر لا تهدي للعالم متحفًا فحسب، بل تهديه روحها الخالدة، وحضارتها التي لا تُقهر، وصوتها الذي يهمس في أذن الدهر: "هنا بدأت الحكاية… وهنا ستظل تُروى إلى الأبد".