نهى المأمون
فتحتُ النافذة فارتدّت، إذ لم أجد سوى ضباب كثيف، وثلوج غزيرة تتساقط في غير موسم، ورياح تعوي كذئبٍ جريح، رأيتُ الأشجار تنحني، والمارّة يركضون بحثًا عن مأوى، وكأن المدينة كلها في حالة هلع، العاصفة لم تكن مجرد ظاهرة جوية؛ كانت إنذارًا.
لكن، هل سمع أحد هذا الإنذار؟.. السماء تغيّرت.. فلماذا لم تتغيّر الأرض؟! العاصفة الأخيرة التي ضربت السواحل الشمالية، وتحديدًا الإسكندرية، لم تكن الأولى، لكنها كانت مختلفة، كانت تحمل بين طياتها ملامح أزمة مناخية باتت تطرق أبوابنا بيدٍ من رعد، وتخلع نوافذنا بريح، وتغمر شوارعنا بموج.
درجات الحرارة المضطربة، الثلوج الغريبة على مناخ البحر المتوسط، اختلال توقيتات الفصول، كل هذا ليس مصادفة، إنه انعكاس مباشر لتغير المناخ العالمي، وغياب الاستجابة المحلية الجادة.
بينما تتحدث حكومات العالم عن "العدالة المناخية"، وضرورة أن تتحمّل الدول الصناعية الكبرى مسؤوليتها، نجد أنفسنا في دول الجنوب، ومن بينها مصر، ندفع الثمن وحدنا.
وهنا يظهر السؤال المؤلم: أين العدالة المناخية؟!
مناخ بلا رؤية؟
من غير المنصف القول، إن مصر لا تتحرك في ملف التغير المناخي، هناك استراتيجيات وندوات ومؤتمرات، مثل مؤتمر COP27 الذي استضافته شرم الشيخ، ولكن حين تُغرق الأمطار شوارعنا في كل شتاء، يتبيّن أن الخطط يجب أن تتحول سريعًا إلى واقع.
ما نحتاجه ليس فقط كلمات عن "الاستدامة"؛ بل إرادة قوية لربط التغير المناخي بالتخطيط العمراني، والتعليم، والمواصلات، والطاقة.
متى سنرى "مدنًا مقاومة للمناخ"؟ متى ستكون لدينا خرائط خطر واضحة، وتصميمات تضمن تصريفًا فعّالًا، وملاجئ حقيقية وقت الأزمات؟.
التغير المناخي ليس بعيدًا، إنه يطرق نوافذنا، وتخيّل أن ما حدث في عاصفة واحدة قد يتكرر عشرات المرات في السنوات المقبلة، وبشدة أكبر.
العلماء يحذرون من أن ارتفاع منسوب البحر قد يُغرق أجزاء من دلتا النيل خلال عقود قليلة.. هل نحن مستعدون لذلك؟!
المناخ تغيّر فعلًا، ولم يعد السؤال: "هل سيؤثر علينا؟"، بل "كيف سنتأثر؟ ومَن سينجو؟"، حين هدأ كل شيء، خرجتُ أتفقد المدينة في الصباح. بقايا الأشجار في الطرق، وجدران تخلعتها الرياح، ووجوهٌ شاحبة تروي قصصًا من الذعر الليلي.
عدتُ إلى بيتي، ما تزال قطرات المطر تنزلق على الزجاج، وقلتُ في نفسي: إن لم نستيقظ الآن، فسنُفيق ذات صباح على كارثة أكبر… لن يكون بعدها مجال للكتابة، فقط البكاء.