البث المباشر الراديو 9090
نهى المأمون
كان عيد الأضحى يأتي قديمًا كقُبلة على جبين الزمن، يحمل معه صوت التكبيرات، ورائحة الضأن المشوي، وضحكة العائلة التي لا تُنسى.

كانت البيوت تمتلئ بروحٍ لا تُرى، ولكنّها تُحسّ، روح الدفء، واللمة، والنقاشات العالية، والنداءات من المطبخ، ومشاحنات الضحك التي تُنسي كل ما سبق من تعب.

نتذكّر تلك الأيّام حين كانت مسرحية «العيال كبرت» تُعرض على شاشة التلفاز، نضحك مع الأب والأبناء كأنهم جزء من عائلتنا، كنا ننتظرها بشغف لا يقل عن شغفنا بالكسوة الجديدة، والعيدية الدافئة التي تُعطى بحب، لا بتحويل بنكي.

كان العيد طقسًا جماعيًا يضم القلوب كما تضم السجادة المصلين في صلاة العيد.

أما اليوم، فقد صار العيد صامتًا.. لا صخب، لا ضحك، لا «زحمة بيت جدتي»، ولا صينية الكحك التي لا تنتهي.

صار كل فرد في العائلة يغرق في محيط هاتفه، تائهًا بين مواقع التواصل، يُتابع الغرباء، ويغفل عن القريب.

الضحكة أصبحت «إيموجي»، والزيارة صارت «فيديو كول»، والحكايات الجميلة انكمشت في حالة واتساب تختفي بعد 24 ساعة.

بيوتنا، التي كانت تمتلئ بالحياة، أصبحت هياكل من أثاث وصمت.

كأن عيد الأضحى، الذي كان عيد الذبح والتضحية، قد أصبح هو الآخر ضحية.. ضحية لعصرٍ رقميٍ التهم تفاصيلنا الصغيرة.

نفتقد صوت الجزار في الشارع، ونظرة الأب وهو يُعطي العيدية بحنو، وجلوس الأم أمام التلفاز تتأمل «العيال كبرت»، وهي تبتسم وكأنها ترى أبناءها على الخشبة.

يا ترى، كم عائلة اليوم اجتمعت حول المائدة؟!

وكم أمٍّ سكنت عينيها دمعة، وهي ترى أبناءها في نفس الغرفة، ولكن في عوالم مُختلفة؟!

كم جدة جلست تنتظر ضحكة أحفادها، فداهمها الصمت بدلًا من الضجيج الجميل؟!

العيد لا يُقاس بعدد «اللايكات»، ولا تُوزع فرحته في رسائل جماعية.

العيد أن نجلس معًا، نضحك، نتحاكى، نختلف، ونتصالح. أن نشعر بأننا عائلة، لا مجرد مُستخدمين مُتصلين بشبكة واحدة.

فلنُضح ببعض من وقتنا، لا من أجل الأضاحي فقط، بل من أجل أن نُعيد الحياة إلى بيوتنا، ونُنقذ العيد من الصمت.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز