البث المباشر الراديو 9090
الكتور شحاتة غريب
منذ تولي جماعة الإخوان المتأسلمة إدارة شئون الحكم في مصر عام 2012، أخذت على عاتقها القضاء على الهوية الإنسانية، وتغييب الوعي، بهدف التشكيك في قيم الانتماء والولاء للوطن، وأصبح كل مواطن في حالة من الارتباك الشديد، وغير المفهوم، بسبب ما فعلته هذه الجماعة من أعمال تضليل وتشويه لكل القيم والثوابت الوطنية، بحيث يتحقق مكنونها الخبيث بشأن الوصول إلى عدم قدرة أي شخص على تحديد هويته، ومكانتها، ومدى قيمة مصر بالنسبة له، كي يسهل لها تبديل الانتماء والولاء للوطن بالانتماء والولاء للتنظيم الدولي للإخوان!.

وإزاء كل ذلك، يمكن طرح هذا التساؤل: هل قد خضع الشعب المصري بالفعل لأفكار الجماعة الإرهابية؟، وهل قد سلم بالأمر الواقع ملبيا سمعا وطاعة لكل نداءات هذه الجماعة؟، وهل قد اتخذ طريق الصمت أمام كل تصرفاتها الشيطانية التي تستهدف استقرار الوطن ومقدراته؟ وهل قد تم دعم وتعزيز أجندتها المشبوهة التي تمتلئ بالتآمر ضد الوطن ومصالحه العليا؟!.


أبادر الإجابة بالنفي، حيث قد انتفض الشعب المصري العظيم، وأعلن غضبه العارم تجاه هذه الجماعة وعملائها، نعم قد انخدع بعض المواطنين بسحرهم الديني، لكن قد استيقظ الجميع على رنين منبه الوطنية، وأذان المساجد الداعية للحق، وأصوات أجراس الكنائس التي تنادي بالمحبة والسلام، وهب الجميع كالمارد، ليعلن الشعب عن ثورته ضد الظلم، والطغيان، والفاشية الدينية، وتهديد الهوية الإنسانية، فكانت ثورة الثلاثين من يونيو 2013، ليعود الوطن إلى أحضان الجميع، وتعود الإنسانية إلى أرض السلام والمحبة والاعتدال.


فلم تكن ثورة الثلاثين من يونيو ثورة عادية قد حطمت حصون استعمار أو احتلالا أجنبيا، بل قد كانت أقوى من ذلك بكثير، لأنها قد قضت على الأصولية الدينية المتطرفة، التي كادت أن تأخذ الوطن إلى طريق مجهول أسوأ مما قد كان ممكنا أن يحدث، في حالة الاحتلال الأجنبي، لدرجة قد جعلت بعض الناس ترتدي جلباب اليأس والاحباط، ولم تجد سوى الدعاء بأن ينقذ الله سبحانه وتعالى مصر من الأشرار.


وقد نجحت ثورة الثلاثين من يونيو بفضل الله، وبفضل ملايين المصريين التي خرجت في الشوارع والميادين، لتؤثر على الهوية الإنسانية، وتحميها، ويتضح هذا التأثير، من خلال عرضنا للأبعاد التالية:


أولا: البعد الاجتماعي والثقافي: قد نجحت ثورة الثلاثين من يونيو 2013 في التخلص من فكرة الانتماء للجماعة، وأن الانتماء يجب أن يكون للوطن فقط، وأن مصالح الجماعة لا يمكن أن تعلو على مصالح الوطن، كما أن هذه الثورة قد نجحت في عودة التماسك الاجتماعي والتضامن والتكاتف بين جميع أبناء الوطن من أجل الحفاظ على السلام الاجتماعي، والهوية الثقافية، وحماية التراث الإنساني، وقد أصبح كل مواطن مطمئنا في مسكنه على مستقبل الأمن الاجتماعي، وأثر ذلك الإيجابي على القيم الإنسانية، وقد كان للملتقيات الإبداعية والثقافية أثرا مهما للغاية في بناء الوعي، وحماية التنوع الثقافي.


ثانيا: البعد الديني: حيث قد استطاعت ثورة الثلاثين من يونيو أن تسترد المفهوم الصحيح للدين الإسلامي، الذي يدعو إلى التسامح، والتعايش، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، ونبذ الكراهية، والعنصرية، والحوار مع الأديان الأخرى، حفاظا على وحدة الوطن، بعد أن كادت أن تنشب في مصر حربا طائفية، بسبب ما حاول أن ينشره رجال جماعة الإخوان المتأسلمة، وعملائهم من الجماعات الإرهابية الأخرى من فكر تحريضي، يحض على العنف، والكراهية، ونشر الأفكار العنصرية.


ثالثا: البعد الحقوقي: حيث قد نجحت الثورة في عودة احترام الحقوق والحريات، ودور ذلك في تشكيل هويتنا الإنسانية، وحق كل إنسان أيا كانت ديانته، أو عقيدته، أو طائفته، أو لونه، أو جنسه، في أن ينعم بكل حقوقه، ليس لأي شيء إلا لكونه إنسانا، وأن يسعى كل شخص إلى المطالبة بالحكم الديمقراطي، الذي يكفل له قيم المساواة، وتكافؤ الفرص، والحفاظ على كرامته الإنسانية.


رابعا: البعد الوطني: قد عاش الشعب المصري أسوأ أيامه إبان فترة حكم جماعة الإخوان المتأسلمة، حيث قد تم المساس المباشر بالدولة المصرية، ومستقبلها، وقد أعلن قيادات الجماعات الإرهابية شهادة وفاة الدولة الوطنية، ويمكن القول أن تاريخ هذه الوفاة كان في اليوم الذي حضر فيه قتلة الرئيس الراحل الوطني محمد أنور السادات احتفالية ذكرى انتصار أكتوبر المجيد، فكيف لقتلة صاحب النصر، رجل الحرب والسلام، أن يحضروا حفلا وطنيا، يجب أن يشارك فيه رموز الوطن الوطنيين، والمخلصين، والأوفياء، وليس الإرهابيين والمتطرفين الذين لا يؤمنون في الأساس بمعنى الدولة الوطنية.


لذلك أعادت الثورة للمصريين دولتهم الوطنية، التي ينبغي أن يؤمن بها الجميع، وأن يكون الانتماء والولاء لها فقط، وليس لتنظيمات لا تعرف معنى الوطن ولا الوطنية.


فلا شك أن ثورة الثلاثين من يونيو قد صاغت من جديد هوية من اهتزت هويته تحت تأثير النظريات الدينية التي قد كان يتبناها جماعة الإخوان المتأسلمة، وغيرها من الجماعات الأخرى المتطرفة، وقد استطاعت هذه الثورة أن تحمي الهوية الإنسانية من كل صور وأشكال التطرف، والعنف، والعنصرية، والتمييز، والإقصاء، والتهميش، والطغيان، التي قد كانت تتبناها الجماعات الإرهابية، وهو ما يحتم علينا جميعا أن نكون على درجة عالية من الوعي، واليقظة، أمام كل محاولات جماعة الإخوان المتأسلمة، والجماعات الدينية المتطرفة، التي تستهدف باستمرار المساس بهويتنا الإنسانية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز