نهى المأمون
وبينما يتأهب الوطن لاستحقاق انتخابي جديد، تتزاحم الأسئلة في أذهان المواطنين: ما جدوى المجلس؟! ماذا قدّم؟! وماذا ننتظر من المجلس القادم؟! إننا لا نقف - فقط - على أعتاب انتخابات؛ بل على عتبة مراجعة تجربة كاملة، تقف فيها الدولة أمام مرآة الأداء السياسي، والتشريعي.
اليوم، تتطلع مصر إلى مجلس شيوخ يكون شريكًا حقيقيًا في صياغة السياسات، ورقيبًا على جودة التشريع، ومنصة حوار وطني دائم. إننا نحتاج إلى مجلس ينفتح على قضايا المواطن العادي: التعليم، والبطالة، والعدالة الاجتماعية، والتحول الرقمي، والتنمية المستدامة، والمناخ، لا باعتبارها شعارات؛ بل أولويات وجودية في حاضر الدولة ومستقبلها. المطلوب أن تكون هناك عقول تشتبك، وأصوات تُحاسِب، وخيال سياسي يُعيد الثقة بالمؤسسات.
ولا يمكن الحديث عن مجلس الشيوخ المنتظر دون الوقوف أمام التحدي الدائم والأصيل؛ تمكين المرأة. فتمثيل النساء لا يجب أن يكون رقمًا يُجمِّل الصورة؛ بل صوتًا يعكس النصف الحقيقي من المجتمع، ويعبِّر عن رؤى وقضايا لا يمكن أن تنقلها إلا من عايشتها.
المرأة المصرية أثبتت في كل محطة أنها قادرة على القيادة، وصنع القرار، وحان الوقت أن تجد هذا الاعتراف داخل المؤسسات التشريعية لا مجرد حديث في المؤتمرات والندوات. نريد نساءً يشاركن في رسم السياسات العامة، ولا يقتصر دورهن على قضايا النوع الاجتماعي فقط؛ بل يشاركن في مناقشة قضايا: الاقتصاد، والطاقة، والأمن المجتمعي، والعدالة التشريعية.
إن الرهان الحقيقي على المجلس القادم ليس في عدد القوانين التي سيناقشها؛ بل في نمط تفكيره، وفي لغته السياسية، وفي شجاعته في طرح الأسئلة الكبرى، وفي قدرته على أن يكون جسرًا بين الدولة العميقة والمجتمع الحي.
نريده أن يكون مجلسًا يعيد الاعتبار إلى فكرة "النقاش العام".. يُحيي الثقافة البرلمانية، ويؤسس لمنهج في التفكير الجماعي لا الفردي، ويعيد الثقة بين المواطن، والعملية السياسية.
مجلس الشيوخ ليس ترفًا دستوريًا؛ هو مساحة يجب أن تنبض بالحيوية، ويجب أن تكون مائدة للعصف الذهني الوطني، ومكانًا تُطبَخ فيه الرؤى قبل أن تخرج للناس في صورة قوانين.
مصر تستحق مجلسًا يُشبه طموحها.. مجلسًا يحفر في عمق الملفات.. مجلسًا لا يكتفي بأن يكون حاضرًا، بل فاعلًا، ومبادرًا، ومؤثرًا في لحظة وطن يحتاج إلى كل صوت صادق، وكل عقل مستنير.