البث المباشر الراديو 9090
نهى المأمون
لم تعد الشهرة حُلمًا بعيد المنال يحتاج إلى موهبة حقيقية، أو سنوات من الاجتهاد، والعمل؛ بل باتت تُصنع في دقائق معدودة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها "تيك توك"!

هذا التطبيق الذي اجتاح العالم، وأصبح جزءًا من يوميات الملايين، تحوَّل في مصر إلى ساحة مفتوحة يتصدرها بعض الأشخاص الذين استغلوا المنصة؛ لجذب الانتباه بأبسط الطرق، وأقلها قيمة، غير عابئين بما يقدّمونه من محتوى، ولا بما يتركونه من أثر.

مؤخرًا، تابعنا جميعًا خبر القبض على بعض مشاهير التيك توك في مصر؛ هؤلاء الذين تحوّلوا من مجرد مستخدمين للتطبيق إلى مؤثرين - وفقًا للتوصيف الرائج - باتوا يمثلون خطرًا حقيقيًا على الذوق العام، وعلى قيم المجتمع، وعلى أخلاق الأجيال الجديدة. لم يكن الأمر مجرد ترفيه بريء، أو مساحة للتعبير عن الذات؛ بل تحوّل إلى سباق على كسر التقاليد، واستفزاز المجتمع، وتحقيق المشاهدات بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو هدم منظومة الأخلاق، والوعي الجماعي.

هؤلاء الأشخاص - الذين لا يحمل كثير منهم أي مؤهل فني أو ثقافي - وجدوا في تيك توك منصة تحقق لهم الشهرة السريعة، والدخل الكبير، بلا مجهود حقيقي.

ومع الوقت، أصبحوا قدوة - للأسف - لبعض الشباب والأطفال الذين يفتقرون إلى التوجيه والوعي الكافي، فبدأوا في تقليدهم، واعتبار ما يقدمونه من محتوى مبتذل نموذجًا للنجاح.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا: من المسؤول؟، هل هم فقط؟! أم نحن أيضًا؟! هل يكفي أن ننتقد ونغضب ونطالب بإيقافهم؟! أم أن المشكلة أعمق من ذلك؟!

في الحقيقة، ما يحدث هو نتيجة فراغ فكري، وقِيَمي تعيشه شريحة من المجتمع، وغياب واضح للبدائل الثقافية الجذابة التي تنافس هذا النوع من المحتوى.

إن السوشيال ميديا ليست - في حد ذاتها - الشرح؛ بل هي أداة، مثلها مثل أي وسيلة إعلامية، أو تكنولوجية أخرى، تُستخدم إمّا للبناء أو للهدم، المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية استخدامنا لها، وفي غياب الرقابة الذاتية والمؤسساتية، وغياب التربية الرقمية من الأساس.

تيك توك وغيره من التطبيقات تمثل اليوم قوة ناعمة هائلة التأثير، قادرة على تغيير سلوكيات، وتشكيل عقول، وتبديل قيم، حتى دون أن نلاحظ؛ ولهذا فإن التعامل معها يجب ألا يكون عشوائيًا، أو منفعلًا فقط؛ بل يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية وعي شاملة، تشارك فيها الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والمجتمع المدني.

علينا أن نواجه هذا التيار، لا بالحجب وحده، ولا بالعقاب فقط، ولكن بإنتاج محتوى بديل، ومحترم، وراقٍ، ومؤثر في الوقت ذاته، محتوى يُقدّم القدوة الحقيقية، ويُعلي من قيمة العلم والعمل، ويعكس صورة مجتمعنا الأصيلة، بتقاليده، وهويته، وثقافته.

إن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق، أو رفض التطور؛ بل يعني أن ننتقي ما يناسبنا من هذا العالم الرقمي، وأن نصنع وجودنا الخاص فيه، بقِيَمنا، وتاريخنا، ولغتنا. إن أبناءنا يستحقون أن نقدم لهم نماذج تليق بهم، وأن نمنحهم أدوات التمييز بين الغث، والسمين، وبين التسلية الهادفة، والانحدار الأخلاقي المقنَّع بالضحك، والمزاح.

ما يحدث على تيك توك اليوم ليس مجرد ظاهرة عابرة؛ بل هو إنذار صريح لمجتمع يواجه معركة هُوية، وأداة من أدوات التأثير المجتمعي يجب أن نُحسن إدارتها، فالمجتمعات التي تنهار أخلاقيًا لا تحتاج إلى حروب عسكرية؛ بل يكفيها أن تفقد بوصلتها القيمية لتنهار من الداخل.

لذلك؛ فإن المعركة اليوم هي معركة وعي، لا تُخاض بالصوت العالي فقط؛ بل بالعلم، والنزاهة، والحكمة، والإنتاج الثقافي الحقيقي. وإن كنا نرفض أن يعبث أحد بجذورنا؛ فعلينا أن نحميها بأنفسنا، وندافع عنها بكل وسيلة، ونكون على قدر هذه المسؤولية أمام الله، وأمام أبنائنا، وأمام هذا الوطن الذي يستحق منا الأفضل دائمًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز