البث المباشر الراديو 9090
نهى المأمون
منذ بداية الخليقة، ارتبطت صورة المرأة بالقدرة على الاحتمال، هي التي تُعطي الحياة، وتتحمل أوجاع الولادة، وتنهض في اليوم التالي لتواصل دورها كأم، وزوجة، وعاملة!

في الريف الإفريقي، يمكن أن نرى مشهدًا مهيبًا لامرأة مزارعة، تربط طفلها على ظهرها بينما تعمل في الحقل تحت أشعة الشمس الحارقة، فيختلط صراخ الجسد بأغاني الصبر!

وفي المدن، تسير المرأة الحامل وهي مُثقَلَة بآلامها، لكنها تُنجز عملها وتُدير بيتها وكأنها تحمل الكون على كتفيها دون أن تئن، هذا المشهد ليس استثناءً؛ بل هو القاعدة التي رسَّختها الحياة؛ أن المرأة خُلقت لتتحمل الألم، وتصنع منه قوة.

على الرغم من أن الدراسات العلمية تؤكد أن النساء أكثر حساسية للألم مقارنة بالرجال، إلا أن المدهش هو قدرتهن على الاستمرار في أداء أدوارهن اليومية على الرغم من ذلك. في الرياضات - على سبيل المثال - وُجد أن كثيرًا من الرياضِيَّات قادرات على الاستمرار في التمرين، والمنافسة على الرغم من الإصابات، أو الشعور بالألم، وهو ما فسَّره العلماء بامتلاكهن صلابة ذهنية عالية، وقدرة نفسية على التحكم في الاستجابة للألم.

وفي دراسة أُجريت عام 1981، وُجِد أن "الرياضيَّات الإناث" أظهرن قدرة على تحمّل الألم تفوق أقرانهن من الرجال. الأمر هنا لا يتعلق - فقط - بالعضلات، أو بالقوة الجسدية؛ بل بعزيمة نفسية داخلية تمنح المرأة قدرة على الاستمرار على الرغم مما يُثقِل كاهلها. فالتحمُّل في النهاية ليس مجرد قدرة جسدية؛ بل هو امتحان للنفس والصبر والإرادة، والنساء يتفوقن في هذا الامتحان كل يوم.

إذا كان العلم يثبت أن النساء يعانين من الألم أكثر، فإن المجتمع يزيد من هذا العبء حين يُلزم المرأة بالصمت. الرجل حين يُصاب بوعكة صحية بسيطة يُظهِر ذلك علنًا، ويطلب الراحة والاهتمام. أما المرأة، فهي مُطالَبَة بأن تتحمل آلامها في صمت، وأن تمضي في واجباتها كأن شيئًا لم يكن!

هذا النمط الاجتماعي يتكرر في مختلف البيئات: الأم التي تُخفي وجعها؛ كي لا تُقلق أبناءها، والزوجة التي تُنكر ألمها؛ كي لا تُتّهم بالمبالغة، والعاملة التي تُكمل يومها على الرغم من المرض خوفًا من فقدان عملها!

الأمر لا يتوقف عند المجتمع فقط؛ بل يمتد إلى المؤسسات الطبية. فقد أظهرت الدراسات أن الأطباء غالبًا ما يُقلّلون من شأن شكوى المرأة من الألم، ويصفونها بأنها "مُبالَغ فيها"، أو "عاطفية"؛ مما يؤدي إلى تأخير التشخيص أو العلاج.

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 90% من النساء يعتقدن أنهن يُعامَلن بشكل مختلف في النظام الصحي بسبب جنسهن؛ بل إن دراسة في غرف الطوارئ وجدت أن النساء ينتظرن في المتوسط 65 دقيقة للحصول على مسكِّن ألم، بينما يحصل الرجال عليه بعد 49 دقيقة فقط!

وهكذا، تجد المرأة نفسها أمام معادلة قاسية: الألم البيولوجي من ناحية، والألم الاجتماعي من ناحية أخرى، وفي الحالتين هي مطالبة بالتحمّل في صمت!

في النهاية، تظل المرأة هي الكائن الذي يصنع من الألم حياة، ومن الوجع ابتسامة. هي التي تُربي أجيالًا وهي تنزف، وتزرع الحقول وهي تحمل طفلًا على ظهرها، وتُخفي آلامها خلف قوة صلبة تشبه جذور الأشجار!

ربما تختلف البيئات، من مزارعة إفريقية في الحقل، إلى طبيبة تقف في غرفة العمليات على الرغم من آلام الحمل، ولكنَّ الخيط المشترك واحد؛ المرأة تتألم في صمت، وتبني في صمت، وتصبر في صمت.

إنها القوة التي لا تُقاس بالعضلات؛ بل بالقدرة على مواصلة الطريق على الرغم من كل ما يعترضها؛ ولهذا، حين نتحدث عن التحمُّل، لا بد أن ننحني احترامًا للنساء؛ لأنهن باختصار… "الوجع الصامت والقوة التي لا تنكسر".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز