نهى المأمون
لكن بين «زمان» و«الآن» مسافة لا تُقاس بالسنوات فحسب، بل بالتحولات في قيم المجتمع وتوجهاته. جيل اليوم، جيل «Z» ومن بعده جيل «ألفا»، لا ينظر إلى المدرسة باعتبارها مصنعاً للعلم بقدر ما يراها منصة للعرض؛ عرض الملابس، والأدوات، والحقائب التي تحمل أسماء الماركات العالمية. صارت متطلبات المدارس أقرب إلى قائمة تسوّق في مركز تجاري فاخر.. حذاء رياضي من علامة معينة، مقلمة لا تقل عن طراز بعينه، ووجبات غذائية مصممة بعناية تفوق ما يُقدَّم على موائد الكبار.
ولعل السؤال الجوهري الذي يتبادر إلى الذهن هنا.. هل هذه المظاهر الباذخة انعكست على جودة التعليم؟ هل نجحت مدارسنا ــ دولية كانت أو عادية ــ في تخريج جيل أكثر علماً وثقافة؟ الإجابة المؤلمة: «ليس بالقدر المأمول». فما يزال التفاوت شاسعاً بين ما يُنفق وما يُحصَّل، بين ما يُدرَّس وما يُستوعَب، بين ما يُزرع وما يُثمر.
وزارة التعليم ترفع شعار «التربية قبل التعليم»، لكن الواقع كثيراً ما يناقضه. نرى أجيالاً تزداد تعلقاً بالمظاهر، مستهلكةً قبل أن تكون منتجة، لا تشعر بقيمة الأشياء لأنها تنالها بسهولة، ولا تتذوق حلاوة النجاح لأنها اعتادت أن يُمهَّد لها الطريق. صار الطفل يحاسب والديه إن لم يُحضرا له الحقيبة ذات «الإصدار الأخير»، بينما يجهل قيمة الكتاب الذي بين يديه أو معنى أن يكتب بخط واضح وصبر طويل.
اللغة العربية، أمّ الهوية، أصبحت غريبة في أفواه الصغار، يستبدلونها بمفردات أجنبية كأنها جواز مرور إلى «العصرية». لم يعد فخر الطفل أن يُجيد قراءة بيت شعر لأحمد شوقي، بل أن ينطق كلمات أجنبية بلكنة تشبه نجوم السينما. هنا تتجلى الأزمة.. نحن لا نخسر مادة دراسية، بل نفقد روح أمة.
قال طه حسين يوماً: «التعليم كالماء والهواء».. جملة مأثورة تختصر فلسفة التعليم باعتباره حقاً أصيلاً، لا سلعةً تزين واجهات المدارس ولا وسيلة للتباهي الاجتماعي. التعليم الحقيقي هو الذي يصنع الإنسان القادر على التفكير والنقد والإبداع، لا الإنسان الذي يقيس ذاته بعدد المتابعين على «تيك توك» أو نوع حذائه المدرسي.
إن خطورة المشهد لا تكمن فقط في إهدار الموارد المادية، بل في تربية أجيال لا تعرف قيمة البذل والتعب. جيلٌ يُربى على الاستهلاك سيظل أسيراً للمظاهر، فاقداً للقدرة على الصمود أمام تحديات الحياة. التربية الحقيقية ليست في اختيار أفضل «لانش بوكس»، بل في غرس القناعة والاعتزاز بالهوية، في تعليم الطفل أن قطعة خبز بعرق الجبين أعظم من وجبة فاخرة تأتي بلا جهد.
ولعل رسالتنا اليوم أن نتذكر أن التربية مسئولية مشتركة بين البيت والمدرسة، بين الأب والأم والمعلم.
إن لم نغرس في قلوب أبنائنا معنى الصبر والجد والاجتهاد، فكل ما ننفقه سيضيع هباءً. يقول أحمد شوقي: «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا». فلنُحسن غرس الأخلاق في جيلنا، حتى يبقى التعليم نوراً يضيء الدرب، لا مجرد شعار موسمي يتكرر مع كل سبتمبر.