البث المباشر الراديو 9090
الكتور شحاتة غريب
انطلقت الأجندة المصرية الخاصة بالتنمية المستدامة في فبراير 2016 كما يعلم الجميع، وقد وضعت الدولة المصرية نصب أعينها ضرورة تحقيق ثمانية أهداف يأتي في مقدمتها جودة الحياة، وقد بدأت بالفعل الحكومة المصرية وكافة الجهات والمؤسسات المعنية تنفيذ مضمون هذه الأجندة، ولا يمكن في الحقيقة إنكار ما حدث من إنجازات خلال السنوات الماضية في كافة المجالات، كنتيجة حتمية للمتابعة الدقيقة المستمرة للقيادة السياسية لمدى قيام الحكومة بتنفيذ التزاماتها.

ولا ريب أن تحقيق هذه الإنجازات لا يعني عدم وجود توفيق في تحقيق بعض ما يتمناه الشعب المصري، وأعني في هذا المقام تطلعات هذا الشعب نحو تحقيق تقدم ورقي ملموس في بعض المجالات، وخاصة في مجالي التعليم والصحة، لأن هذين المجالين في حاجة ماسة ومستمرة للمزيد من العمل، والتطوير، والتحسين، وهو ما يحتم على الحكومة مضاعفة الجهد، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030، باعتبارها الضمانة الأساسية لتوفير الحياة الكريمة للمصريين بشكل مستدام.

وفي حقيقة القول قد بدأت العديد من منظمات المجتمع المدني، وغيرها من الجهات، في تناول قضايا التنمية المستدامة من زوايا مختلفة، إيمانًا بأهمية المساهمة الفعالة في تقديم الرؤى والمقترحات التي تساعد الدولة المصرية على تنفيذ برنامجها الخاص بتحقيق التنمية، وقد ركزت بعض هذه المنظمات أو الجهات على قضية الوعي بركائز التنمية المستدامة، وضرورة أن يكون هناك وعي رشيد بكل ما يتعلق بهذا الموضوع، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيق التنمية بدون الوعي بأهمية ذلك للمواطن والوطن.

ومن هذه المنظمات غير الحكومية الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، حيث نظم منتدى حوار الثقافات بها مؤتمرًا مهمًا في الثامن من سبتمبر الجاري، حول موضوع "الوعي وركائز التنمية المستدامة"، وقد حضر في هذا المؤتمر نخبة من الوزراء والأكاديميين والمفكرين والإعلاميين وأعضاء من مجلسي النواب والشيوخ، وبعض ممثلي وزارة الأوقاف والأزهر، والكنيسة، ومنظمات المجتمع المدني بالعديد من المحافظات.

وقد تناول بعض المتحدثين قضية الوعي باعتبارها قضية محورية في تحقيق التنمية المستدامة، مع التركيز على أهمية الإبداع، والابتكار، والتمكن في كل شيء، كي نستطيع واقعيًا مواجهة التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، لأنه لا يمكن التغلب على هذه التحديات بدون تحقيق التنمية في كل المجالات.

وإذا كان بعض المتحدثين، أو بعض المداخلات والتعقيبات، قد ركزوا على أهمية وعي المواطن، في ظل ما تتعرض له الدولة المصرية من حروب إلكترونية شرسة، تهدف إلى تضليل المواطنين، إلا أنني قد طرحت قضية في غاية الأهمية تتعلق بحتمية وعي المسئول بركائز التنمية المستدامة، لأن الحكومة وبعض المؤسسات المعنية تكون هي الملتزمة بتنفيذ أجندة التنمية وفقًا لرؤية مصر 2030، ولا يمكن أن يكون منطقيًا، أو مقبولًا، أن نطالب المواطن بالوعي بركائز التنمية المستدامة، والمسئول يعمل في جزر منعزلة، ضاربًا عرض الحائط بالوعي بهذه الركائز!

فليس مقبولًا أن يكون المسئول غير واعٍ بمفهوم الاستدامة الاجتماعية، بأن يكون مدركًا أن بناء المجتمعات المنصفة والعادلة هو جوهر هذه الاستدامة، بحيث يوجد مجتمع تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وتوفير فرص العمل اللائق لمن يستحق.

فإذا كانت رؤية مصر 2030 تتطلب توسعات تنموية في مجالات معينة، وإقامة العديد من المشروعات الاستثمارية التابعة لوزارة معينة، فإن ذلك لا يعني أن يكون المقصود منها فقط هو تحسين دخل الموظفين بالفعل في هذه الوزارة أو تلك، بينما يجب أن يكون الهدف أيضًا هو توفير فرص عمل للشباب القادر على العمل، الذي يتمتع بالعديد من المهارات، ولديه من الكفاءة أن يؤدي العمل ببراعة بجانب ذوي الخبرة الذين لا يمكن الاستغناء عنهم!

أما إذا اقتصرت نتائج أعمال التنمية، وما يمكن أن يتولد عنها من فرص عمل على مجرد تكليف القائمين على العمل بالفعل بأداء المهام المطلوبة، مقابل تحسين دخولهم، فإن المسئول في هذه الحالة لا يكون واعيًا بركائز التنمية المستدامة، وخاصة فيما يتعلق بالاستدامة الاجتماعية ومفهومها ومقوماتها.

كما أن من ركائز التنمية المستدامة الاستدامة الاقتصادية، والاستدامة البيئية، وكيفية مواجهة التحديات الثقافية التي يمكن أن تؤثر على الهوية الوطنية، حيث ينبغي أيضًا على المسئول أن يكون واعيًا بكل هذه الركائز، لأن الجهل بها قد يأتي بنتائج سلبية على الوطن والمواطن.

فإذا لم يكن المسئول واعيًا بأهمية تشجيع الإبداع، والابتكار، والإلمام بالمعارف التكنولوجية، وتحديات الذكاء الاصطناعي، وحماية الهوية الوطنية، والتنوع الثقافي، فإن ذلك يعني أن أهداف التنمية المستدامة الخاصة بالنمو الاقتصادي، والحوكمة، والتحول الرقمي، والمكانة الريادية، يمكن ألا تتحقق، مما يعني خلق العديد من العقبات والمعوقات، التي قد تقف حجر عثرة أمام تحقيق رؤية مصر 2030.

لذلك يجب أن يكون المسئول في الحكومة، وكافة الجهات المعنية، على وعي كامل بركائز التنمية المستدامة، وأن يكون لديه القدرة، والكفاءة، والمهارة، على تحقيق التوازن بين استكمال مشروع الإصلاح بكل جوانبه، وفقًا لرؤية مصر ٢٠٣٠م، وبين أن يشعر المواطن بتحسن ملموس على أرض الواقع، يجعله مقدرًا لتبني الدولة رؤية معينة تتعلق بالتنمية المستدامة.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز