البث المباشر الراديو 9090
نهى المأمون
في كل عام، حين يأتي السادس من أكتوبر، لا يعود الحديث فقط عن معركة عسكرية عبر فيها الجنود قناة السويس، بل عن معركة أوسع، تلك التي لا تزال تدور في داخل كل مصري، نصر أكتوبر لم يكن يومًا صفحة من الماضي، بل هو مرآة نرى فيها أنفسنا، ونسأل: هل ما زلنا نحمل الروح نفسها التي عبرت الساتر الرملي، وواجهت المستحيل بإيمان صامت؟

في أكتوبر 1973 لم ينتصر الجيش المصري بالسلاح وحده، بل بالإرادة. كانت الحرب بين من آمن بالوطن ومن ظن أنه انتهى. وبينما كان العدو يثق في خطوطه الدفاعية وجباله الرملية، كان المصري يثق في شيء واحد فقط: أن الله لا يخذل من يقاتل في سبيل أرضه. وعندما دوّت صيحات “الله أكبر” في السماء، لم تكن مجرد نداءٍ للقتال، بل كانت إعلان ميلاد جديد لوطن كاد أن تُطفئ النكسة نوره.

لقد قاد الرئيس محمد أنور السادات معركة لم تكن مجرد حرب حدود، بل حرب هوية وكرامة. في قراره بالعبور تجسدت شجاعة القائد الذي آمن أن الخوف لا يبني الأوطان، وأن السلام لا يُمنح إلا لمن يملك القوة. وبعد النصر، لم يتوقف السادات عند حدود الحرب، بل مضى في طريق أصعب: طريق السلام، ليمنح للأجيال القادمة فرصة للحياة والبناء.

لكن ما يجعل أكتوبر حيًّا فينا حتى اليوم ليس فقط عبقرية القيادة ولا بطولات الجنود، بل تلك الروح الجمعية التي جمعت المصريين حول حلم واحد. كان العامل في مصنعه جزءًا من المعركة، والفلاحة التي ودّعت ابنها على باب البيت كانت تقاتل بطريقتها. لم يكن النصر على الضفة الشرقية فقط، بل في كل بيت، في كل شارع، في كل نفس آمنت أن مصر لا تموت.

واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، نحتاج أن ننظر إلى أكتوبر ليس كاحتفال سنوي بالأغاني والعروض العسكرية، بل كدرس دائم في الصبر والإصرار. فمعاركنا لم تنتهِ، فقط تغيّرت أشكالها. لم نعد نحارب بالسلاح، بل نحارب من أجل التنمية، من أجل الوعي، من أجل أن نحافظ على ما استُردّ بالدم. كل مشروع يُقام، وكل شاب يقاوم اليأس، وكل امرأة تصنع الأمل في بيتها — هؤلاء جميعًا يواصلون معركة أكتوبر بطريقة جديدة.

نصر أكتوبر ليس مجرد ذكرى، بل عهد متجدد. عهد بأن نظل نكمل ما بدأه الجنود الذين علمونا أن النصر لا يُمنح، بل يُنتزع. أن المجد لا يأتي صدفة، بل يصنعه الإيمان والعمل. وأن مصر، مهما مرّت بالظروف، تظل قادرة على العبور من جديد — من الهزيمة إلى الأمل، من التحدي إلى البناء، من الحرب إلى الحياة.

رحم الله من قاتلوا ليرتفع علم مصر، وبارك في من يواصلون اليوم معركة بقائه عاليًا في وجه كل صعب. فالحرب تغيّرت، لكن روح أكتوبر باقية… تُذكّرنا كل يوم أن مصر التي عبرت… وما زالت.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز