البث المباشر الراديو 9090
نهى المأمون
في لحظةٍ مشبعةٍ برائحة التاريخ، ومضيئةٍ بأنوار الحضارة، انحنت قلوب المصريين فخرًا وهي تتابع فوز الدكتور خالد العناني بمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، ذلك الفوز الساحق الذي لم يترك مجالًا للشك في أن مصر ما زالت ـ وستظل ـ مهد الحضارات وقبلة الثقافة في العالم.

حصد العناني خمسةً وخمسين صوتًا مقابل صوتين فقط لمنافسه الكونغولي، في نتيجةٍ تُعدّ من أوسع الانتصارات في تاريخ المنظمة، وكأن العالم قد أجمع على أن صوت مصر لا يُرَدّ، وأن إرثها العلمي والثقافي أكبر من أن يُغفَل.

لم يكن هذا الفوز وليد الصدفة، بل ثمرة رحلةٍ طويلةٍ امتدت لأشهر، جاب خلالها الدكتور العناني عشرات الدول، من إفريقيا إلى أوروبا، ومن آسيا إلى الأمريكتين، حاملًا رسالة مصر التي تؤمن بأن الثقافة جسرٌ للسلام، وأن التعليم حقٌّ لكل إنسان.

لم تكن زياراته بروتوكولية جامدة، بل كانت نوافذ مفتوحة على قلوب الشعوب، التقى فيها بالمسؤولين والمفكرين والمثقفين، وشرح رؤيته التي حملت عنوان «اليونسكو من أجل الشعوب»، ليعيد إلى الأذهان أن الثقافة ليست نُخبوية، بل هي نبض الإنسانية كلّها.

كان يتحدث عن مصر كما يتحدث عاشقٌ عن معشوقته، يصفها بأنها المعلّم الأول للحضارة، والمهد الذي خرجت منه الحروف والأفكار والمعابد والعلوم.

كان يؤكد أن مصر لا تقدم نفسها إلى العالم على أنها صاحبة ماضٍ فحسب، بل على أنها أمة قادرة على بناء المستقبل، مستندة إلى ميراثها الروحي الذي علّم الدنيا معنى الجمال، ومعنى أن يظل الإنسان باحثًا عن النور حتى في أحلك العصور. فوزه في اليونسكو ليس فوز شخص، بل فوز وطنٍ بأكمله.

الفوز رسالة تقول إن الدبلوماسية المصرية ما زالت قادرة على أن تُدهش العالم، وأن تفرض حضورها بالحكمة والرؤية، لا بالصوت العالي.

لقد استطاع العناني أن يكوّن تحالفاتٍ ذكية جمعت بين العالم العربي والإفريقي والأوروبي في نسيجٍ واحد، حتى بدا وكأن كل الطرق الدبلوماسية تؤدي إلى القاهرة، المدينة التي ما زالت ـ رغم كل التحديات ـ تُصدر للعالم أنوارها القديمة في ثوبٍ جديد.

ورغم أن الفخر يغمر القلوب، فإن التحدي لا يقل جسامةً عن النصر. فاليونسكو اليوم تواجه أزمةً ماليةً خانقة، وتحدياتٍ سياسيةً تهدد رسالتها الأممية.

لكن العناني، بعقله المنظم ورؤيته العلمية، يدرك أن القيادة الحقيقية ليست في تسيير الأمور، بل في إعادة بناء الثقة، وفي تحويل الثقافة إلى قوةٍ ناعمةٍ قادرةٍ على صنع التغيير.

لقد أعلن منذ اللحظة الأولى أن أولويته ستكون دعم التعليم، وحماية التراث، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، لتعود اليونسكو إلى جوهرها الإنساني بعيدًا عن الصراعات والمصالح.

إن هذا الفوز يعيد إلى الذاكرة ما قاله توفيق الحكيم ذات يوم «مصر لا تموت لأنها فكرة، والفكرة لا تُدفن».

واليوم تعود هذه الفكرة لتنبض من جديد في هيئة رجلٍ عرف قيمة التاريخ، وحمل على كتفيه إرث الفراعنة وعبقرية المصري الحديث، ليجلس على مقعدٍ عالمي، لكنه يُمثّل وطنًا ظلّ على مرّ العصور منارةً للعلم والوجدان.

فحين يتحدث خالد العناني في قاعة اليونسكو، ستتحدث مصر بصوته، وستسمع الحضارات بعضها البعض من خلاله.

إنها لحظة فخرٍ تتجاوز الحدود، لحظةٌ تذكّرنا بأن النيل ما زال يجري في عروق الثقافة، وأن أبناءه قادرون على أن يرفعوا اسم الوطن في كل محفلٍ دولي.

اليونسكو اليوم تُدار بروحٍ مصرية، بروحٍ تعرف أن المعرفة قوة، وأن الجمال رسالة، وأن الثقافة ـ كما قال طه حسين ـ «ليست ترفًا، بل حياة».

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز