نهى المأمون
على أرضها اجتمع القادة، وتلاقت الإرادات، لتُكتب فصول جديدة من التاريخ في لحظة نادرة، حين اختار العالم أن يُطفئ نيران الحرب ويُشعل شعلة السلام.
هناك، وُقّعت اتفاقية وقف إطلاق النار بعد أيام طويلة من الألم والمعاناة، لتعلن للعالم أن الإنسانية لم تمت، وأن الأمل لا يزال ممكنًا.
كان المشهد مهيبًا، والرؤية واضحة: «لا حرب بعد اليوم». مصر، بوجهها المشرق وحكمتها العريقة، قادت الحوار واحتضنت الأطراف، وجمعت بين المتخاصمين على طاولة واحدة، لتؤكد أنها لم ولن تتخلى عن دورها الريادي في حفظ أمن المنطقة واستقرارها.
الرئيس عبد الفتاح السيسي كان صوت العقل في زمن الصخب، وقائدًا للسلام في وقت ضاق فيه العالم ذرعًا بالحروب، حضوره في القمة لم يكن بروتوكوليًا فحسب، بل كان تعبيرًا عن ثبات موقف مصر وإيمانها العميق بأن السلام لا يُمنح، بل يُصنع.
حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح القمة ثقلًا دوليًا استثنائيًا، فالعالم كله كان يُصغي لما يدور في شرم الشيخ، تلك المدينة التي طالما احتضنت قمم الأمل أصبحت من جديد عاصمة القرار، ومنارةً للحوار.
وما بين مداولات القادة ونبض الأرض، شعر كل مصري وكل عربي بأن التاريخ يُكتب من جديد، وأن شرم الشيخ لا تشهد حدثًا عابرًا، بل تُرسّخ مسارًا جديدًا للإنسانية.
أما أنا، فحين تابعت المشهد، انتابني شعور بالفخر لا يُوصف، فخر بوطن يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، متى يمد يده ومتى يرفع رأسه. شعرت بكرامة تسري في دمي، بعزة تُعيد إليّ يقيني بأن مصر ليست دولة كغيرها، بل هي روح تسكن التاريخ، وجذور تمتد في وجدان الأمة.
مصر لا تبحث عن الأضواء، بل تصنعها. لا تنتظر التقدير، لأنها في الأصل منبع المجد والعزة والسيادة.
كم هو جميل أن ترى وطنك يقف شامخًا، يجمع ولا يفرّق، يطفئ النار ولا يشعلها، يرفع راية السلام لا راية السلاح.
كم هو مدهش أن ترى العالم بأسره يلتفت نحو شرم الشيخ، مدينة السلام، وكأنها تقول للبشرية من جديد: «هنا تُكتب الحكاية، وهنا تُزرع بذور الأمان».
إن هذه القمة ليست مجرد توقيع على ورق، بل هي وعد بغدٍ أفضل، ووثيقة لإعادة الثقة في إنسانيتنا.
إنها نقطة تحوّل تُثبت أن الحروب مهما طال عمرها، لا بد أن تنتهي، وأن صوت العقل سيبقى أقوى من ضجيج البنادق. وما قامت به مصر اليوم ليس مجرد وساطة سياسية، بل هو موقف تاريخي يُجسّد معنى القوة في أبهى صورها: قوة السلام.
لقد شعرت وأنا أتابع المشهد أن كل ذرة في أرض سيناء كانت تُنصت بفخر، وأن كل شبر من رمال شرم الشيخ كان يهمس للعالم: «هنا مصر.. أم الدنيا بحق، وأم السلام أيضًا».
ما حدث لن يُنسى، لأنه لم يكن اجتماعًا دبلوماسيًا عاديًا، بل لحظة استيقظ فيها الضمير الإنساني من سباته الطويل، ومصر، كعادتها، كانت هي اليد التي امتدت لتنقذ الحلم من الانكسار، وتعيد للشرق وجهه المضيء.
سلام على أرض السلام، وسلام على مصر التي ما زالت، رغم كل العواصف، تُعلّم العالم كيف يكون الثبات.. وكيف تُصاغ الكرامة.