نهى المأمون
كنتُ أتابع إحدى حلقات البودكاست مؤخرًا، حين لفتني حديث الضيف عن «الزوجة التي تصبر». تحدّث الرجل بثقة عن أن المرأة التي تتحمّل إهمال زوجها، وغيابه، وتقلباته، وانفعالاته، هي امرأة «بلا كرامة».
توقفتُ أمام الجملة طويلًا، ووجدتني أسأل نفسي: منذ متى أصبح الصبر خيانةً للكرامة؟ ومتى صار الحلم ضعفًا، والعطاء تنازلًا؟
تذكّرتُ الفيلم القديم «كرامة زوجتي»، ذلك العمل الذي جمع شادية وصلاح ذو الفقار، والذي لم يكن مُجرد دراما اجتماعية، بل مرآة صادقة لوعي مُجتمع بأكمله.
كانت الحكاية عن امرأة تُختبر في حبها وكرامتها، عن رجل يخطئ ثم يعود، وعن سؤال أبدي يُطارد كل امرأة: «أين الحد بين الكرامة والحب؟».
في تلك الأيام، كانت السينما تناقش القيم دون أن تفرغها من معناها. كانت «الكرامة» قضية وجود، لا شعارًا عاطفيًّا على شاشة.
ثم عبرت ذاكرتي إلى عالم آخر، إلى قصة إليزابيث بينيت ومستر دارسي في رواية «كبرياء وهوى» لجين أوستن ـ قصة حب تقوم على الاحترام قبل العاطفة، والشراكة قبل الامتلاك ـ دارسي لم يكن رجلًا كاملًا، لكنه تعلّم أن الكبرياء لا يصنع رجلًا، بل القدرة على الاعتذار والاعتراف بقيمة المرأة التي يحب.
وأنا أستحضر المشهد الذي أدّاه يحيى شاهين في النسخة العربية حين قال بملء يقينه: «المرأة التي تحمل اسمي، أنا أؤيد وأوافق على كل ما تقول، مهما كانت العواقب».
يا له من مشهدٍ يعيد للمرأة مكانتها في شراكة الوعي لا في تبعية الصمت.
لكن الزمن تغيّر، وصرنا نعيش مرحلة تتساقط فيها المعاني كما تتساقط أوراق الخريف.
بات بعض الرجال يرون في إهانة الزوجة قوة، وفي السيطرة رجولة، وفي التجاهل انتصارًا.
وغابت فكرة أن الزواج ميثاقٌ غليظ، لا عقدًا مدنيًّا يمكن نقضه بالهوى أو المزاج.
تبدلت المفاهيم، وتحول الزواج من «سكن ومودة ورحمة» إلى معركة باردة بين طرفين، كلٌّ منهما يخشى أن يُغلب.
أين ذهب معنى الشراكة؟ وأين اختفى الستر الذي كان يومًا تاجًا على رأس العلاقة الزوجية؟
أم هو ـ في جوهره ـ سلاح من أسلحة القوة الناعمة، يعمل على تآكل القيم من الداخل؟
حين تُصبح الخيانة مألوفة، يتغير ميزان الوعي الجمعي، وتذوب الحدود بين ما هو خطأ وما هو إنساني.
في مجتمعاتنا القديمة، كانت المرأة كرامة الرجل، وكان الرجل سند كرامتها.
أما اليوم، فقد صار بعض الرجال يفاخرون بأنهم لا يتأثرون، وأن الرحمة ضعف، وأن «الزوجة الطيبة» لا تستحق سوى المزيد من الإهمال.
ونسوا أن الرجولة ليست في قسوة القلب، بل في قدرته على الاحتواء.
ونسيت النساء أحيانًا أن الصبر لا يعني الذوبان، وأن الكرامة لا تُطلب من الآخرين بل تُبنى من الداخل.
«كرامة زوجتي» ليست شعارًا قديمًا لفيلم، بل صرخة جديدة في وجه زمنٍ فقد توازنه. فالكرامة لا تعني الغرور، كما أن الحب لا يعني الخضوع.
وحين نفهم أن الزواج شراكة بين روحين، لا صراعًا بين قوتين، سنعود إلى إنسانيتنا التي أضعناها بين مشهدٍ دراميٍّ بارد وواقعٍ أكثر برودة.