البث المباشر الراديو 9090
د. إيناس علي
في كثيرٍ من البيوت والعلاقات الإنسانية، لا يبدأ الخراب بالصراخ أو القطيعة، بل بكلماتٍ تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تتكرر حتى تتحول إلى عبءٍ ثقيلٍ على النفس.

ويُعدّ النقد الدائم أحد أخطر هذه الكلمات، لأنه يتسلل بهدوء ويهدم دون أن نشعر، فيُضعف العلاقات ويزرع الملل والنفور بدلًا من القرب والمودة.

في العلاقات الأسرية، قد يعتقد الأب أن النقد المستمر لابنه وسيلةٌ للتربية والتقويم، بينما يشعر الابن في داخله بأنه غير كافٍ، وأن محاولاته لا تُرضي أحدًا. ومع الوقت، يفقد الحافز، ويتحوّل النقد إلى حاجزٍ نفسي يمنعه من التطور أو حتى المحاولة.

يتكرر الأمر ذاته بين الزوج والزوجة، حين يتحول الحوار اليومي إلى قائمةٍ من الملاحظات، فيذبل الحب ويحلّ محله الصمت أو الجفاء.

لا يختلف المشهد كثيرًا في المدارس، عندما يعتمد بعض المعلمين على توجيه اللوم المستمر للطلاب، ظنًا أن القسوة تصنع التفوق. وفي الواقع، فإن الطالب الذي يتعرض للنقد السلبي يشعر بالإحباط وفقدان الثقة، وقد ينفر من التعليم كله، لا من المادة فقط.

المشكلة الحقيقية ليست في النقد ذاته، بل في نوعه وطريقته. فهناك فرقٌ كبير بين النقد البنّاء الذي يهدف إلى التصحيح والتطوير، والنقد الهدّام الذي يقلل من قيمة الإنسان ويهاجم شخصه بدلًا من سلوكه. فالنقد البنّاء يركز على الفعل لا الفاعل، ويقترح حلولًا بدل الاكتفاء بالتجريح، ويُقدَّم بلغةٍ محترمة وفي توقيتٍ مناسب. أما النقد السلبي، فهو متكرر وقاسٍ، يجرح الكرامة ويترك أثرًا نفسيًا طويل المدى.

من واقع عملي كاستشاري نفسي، أرى يوميًا أشخاصًا فقدوا ثقتهم بأنفسهم، ليس بسبب فشلٍ حقيقي، بل بسبب كلماتٍ سمعوها كثيرًا حتى صدقوها. هؤلاء لم يخسروا علاقاتهم فقط، بل خسروا أنفسهم أيضًا.

والنصيحة الأهم التي أوجّهها لكل أبٍ وأم، ولكل زوجٍ وزوجة، ولكل معلمٍ ومسؤول: حافظ على صحتك النفسية وصحة من حولك. اختر كلماتك بعناية، ووازن بين التوجيه والتقدير؛ فالدعم يبني أكثر مما يفعل النقد.

وتذكّر دائمًا أن الإنسان لا يحتاج لمن يذكّره بعيوبه بقدر حاجته لمن يؤمن بقدرته على التغيير.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز