البث المباشر الراديو 9090
د. سامح خضر
لم يكن تراجع حزب الليكود في معظم استطلاعات الرأي كافيًا لقادة الحزب، وعلى رأسهم نتنياهو، لإدراك أن المزاج العام في إسرائيل بدأ في التغير، وأن الجبهات الحربية المفتوحة التي أصر نتنياهو على استنفادها دون أفق سياسي تحولت إلى مستنقع قد يكتب نهاية حقبة أطول رئيس وزراء بقاءً في السلطة.

استنادًا إلى التفوق في استطلاعات الرأي، واستخلاصًا للعبر من الماضي القريب، أُعلن في السادس والعشرين من أبريل الجاري عن اتحاد حزب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت مع رئيس كتلة المعارضة الحالي يائير لبيد تحت اسم "معًا".

فهل يضع هذا التحالف حدًا لهيمنة حزب الليكود على المشهد السياسي في إسرائيل؟

رغم تسابق قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف عمومًا، وقادة الليكود على وجه الخصوص، في كيل الاتهامات للتحالف الجديد بوصفه تحالفًا لليساريين مرتهنًا للأحزاب العربية ومتخليًا عن ثوابت اليمين الإسرائيلي، إلا أن هذا التحالف يكشف عن براغماتية سياسية بين المتحالفين بينيت ولبيد. إذ يبدو أن لبيد قد استخلص العبر من الإخفاقات البرلمانية السابقة، ودفع ببينيت إلى رأس القائمة على حساب طموحه الشخصي؛ أملًا في تشكيل كتلة قادرة على كسر هيمنة الليكود، ووقف المقايضات السياسية التي يعقدها الليكود مع اليمين المتطرف على حساب الدولة ومؤسساتها، وترميم الاقتصاد المنهك، واستعادة هيبة المؤسسة العسكرية عبر الدفع بقانون تجنيد يراعي العقد الاجتماعي المختل نتيجة سياسة المحاباة وتبادل المنافع بين الليكود والأحزاب الدينية.

بطبيعة الحال لن تكون المعركة مع الليكود وأحزاب اليمين نزهة سياسية، خاصة أمام خصم بوزن نتنياهو، الذي يتقن شيطنة المعسكر الآخر، واللعب على تفتيت معسكرات خصومه من الداخل عبر طرح قضايا أيديولوجية وسياسية شائكة. فهو يراهن على كشف ضعف مؤهلات منافسيه وضبابية مواقفهم في قضايا كالاستيطان، والعلاقة مع واشنطن، والقدرة على إدارة الملف الأمني المشتعل، وهي استراتيجية برع فيها نتنياهو تاريخيًا ونجح عبرها في حسم جولات انتخابية عديدة.

بيد أن هذا الطوق الذي أجاد نتنياهو لفه حول رقاب خصومه قد يخنقه هو هذه المرة؛ إذ تآكلت قوة الردع الإسرائيلية ليس فقط أمام الخصوم، بل في الوعي الجمعي للإسرائيليين، وتراجعت المؤشرات الاقتصادية، واهتزت هيبة مؤسسات الدولة تحت وطأة انقسام اجتماعي وسياسي عمودي غير مسبوق.

كما أن ملفات الفساد والمحاكمات الجنائية، علاوة على الأخبار المتواترة عن وضعه الصحي السيئ ـ الذي أخفاه متعمدًا في مخالفة للقانون ـ تجعل من نتنياهو اليوم ظلًا باهتًا لنتنياهو الأمس.

لعل المعضلة الأبرز التي واجهت خصوم نتنياهو السياسيين في السابق تمثلت في تركيزهم على حصد أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية دون تقديم برنامج سياسي واجتماعي يطرح بديلًا حقيقيًا.

لذا، وإذا ما استدرك قادة التحالف الجديد الحاجة إلى تقديم رؤية تتجاوز "عقدة الخلاص من نتنياهو"، والبحث عن مخرج آمن من حالة الضياع الاستراتيجي الذي أدخل نتنياهو إسرائيل فيه، والدفع بسياسات وخطط توقف النزيف الاقتصادي والاجتماعي؛ فإن ذلك من شأنه أن يدفع حزب الليكود إلى خلفية المشهد السياسي لسنوات قادمة، خاصة في ظل أزمة القيادة داخل حزب اتبع سياسة الرجل الأوحد لعقود، دون بناء تسلسل هرمي يضمن استمراريته كمؤسسة فاعلة تعتمد على نفسها بعيدًا عن كاريزما الرجل الأول، وهو ما يمثل في حد ذاته أحد الأخطاء الاستراتيجية الكبرى لنتنياهو وحزبه معًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز