د. سامح خضر
ورغم الانتصار المدوي الذي حققه في الانتخابات الأخيرة، والذي سُجل كثاني أعظم انتصار في تاريخ حزب العمال البريطاني، فإن إدارته لشؤون البلاد لم ترتقِ قط إلى طموحات الزعيم القادر على انتشال الأمة من أزماتها. لقد أدار ستارمر البلاد بعقلية محامٍ بيروقراطي لشركات كبرى، متخبطًا في الوفاء بوعود الاستقامة والنزاهة، ليغادر موقعه وقد تحول إلى رمز للفراغ المؤسسي والعجز عن إدارة الملفات الاستراتيجية المعقدة.
ولا يعنيني كثيرًا أداء ستارمر في القضايا الداخلية المعقدة؛ فلا يهمنا ما أشارت إليه صحيفة «مترو» البريطانية من إخفاقات في ملفات جوهرية، كإعانات المتقاعدين أو رفع اشتراكات التأمين الوطني على أصحاب العمل، وهي خطوات اعتبرها الجمهور تنصلًا مبكرًا من وعوده الانتخابية، ما أدى إلى تراجع الدعم الشعبي للحزب وللحكومة على حد سواء. كما لا تعنينا الاتهامات التي أثيرت بشأن تلقيه هدايا ومزايا أثارت جدلًا واسعًا حول حدود الإفصاح والالتزام بالمعايير القانونية والأخلاقية، فضلًا عن تعيينه بيتر ماندلسون سفيرًا للبلاد لدى الولايات المتحدة، رغم ما أُثير سابقًا بشأن اسمه في قضية إبستين. لكن ما يعنينا حقًا هو تخليه عن شعاره «السياسة من أجل الخير»، الذي تهاوى مع اندلاع الحرب على غزة.
لقد كانت غزة بمثابة الخطيئة الكبرى التي وثقت هذا الوداع الجنائزي لستارمر. ففي الوقت الذي تعرض فيه القطاع لعمليات قتل وتدمير واسعة النطاق، وتهاوت مدنه ومخيماته وقراه تحت وطأة الحرب، تخلى ستارمر عن مبدأ «السياسة من أجل الخير»، وروّج لرواية حق الدفاع عن النفس، متجاهلًا مشاهد المظاهرات المنددة بالحرب على المدنيين العزل، والتي اجتاحت مدن العالم، وبريطانيا على وجه الخصوص.
لقد سقط ستارمر، في نظر كثيرين، في الاختبار الأخلاقي الذي يفصل بين السياسي القادر على اتخاذ موقف واضح، وبين التكنوقراطي الذي يخشى مخالفة الحسابات السياسية التقليدية. وتعامل مع الضحايا باعتبارهم أرقامًا هامشية في تقارير رسمية باردة، متناسيًا أن التفريط في المبادئ تحت ضغط الضرورات الاستراتيجية لا يؤدي إلا إلى إفلاس الضمير السياسي.
وداعًا ستارمر؛ لقد كانت فترة رئاستك للحكومة، في نظر منتقديك، حقبة باردة وطويلة ومملة في تاريخ السياسة الخارجية البريطانية، ومرحلة عدّها كثيرون عنوانًا لانحدار أخلاقي داخل حزب العمال البريطاني لم يشهد له مثيلًا من قبل. إنك تغادر المشهد السياسي البريطاني، كما غادره آخرون أيدوا أو دعموا سياسات وُصفت بأنها أسهمت في مآسي إنسانية كبرى، فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا ينسى مواقف القادة، ولا يغفر بسهولة لمن جعلوا السياسة أداة للحروب والدمار وسفك الدماء.