د. سامح خضر
لعل تصريحات الرئيس الأمريكية دونالد ترامب قد كشفت عن حقيقة الأزمة المركبة التي تواجهها إسرائيل؛ ليس فقط على المستوى الدولي، بل في عمق كبرى حواضنها الاستراتيجية داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فقد انطوت تصريحات ترامب على نصيحة -كانت أقرب إلى الامتعاض من آلية معالجة نتنياهو وحكومته للأزمات المفتعلة مع دول الجوار- كاشفاً عن الأزمة المركبة التي تواجهها إسرائيل؛ ليس فقط على الساحة الدولية، بل في عمق كبرى حواضنها الاستراتيجية داخل الحزبين، الجمهوري والديمقراطي. لقد أشار ترامب صراحة إلى تراجع الجاذبية السياسية لإسرائيل، وغياب الرغبة الدولية في التعاطي مع نتنياهو؛ ملمحاً إلى قرب مغادرته للمشهد بعد أن بات، مع أقطاب معسكره الاستيطاني ووزرائه الملاحقين جنائياً دولياً، يشكّل عبئاً استراتيجياً وأخلاقياً على الإدارة الأمريكية.
أما نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، فقد ألمح في تصريحات عدة إلى امتعاضه من مساعي الحكومة الإسرائيلية وجماعات الضغط الموالية لها في واشنطن لجر الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية شاملة مع إيران؛ بما يخالف المبدأ الذي قامت عليه حملة ترامب وفانس والمتمثل في تقليص انخراط الولايات المتحدة في صراعات عابرة للحدود، وإعادة تركيز ثقل الدولة على الداخل الأمريكي. كما اشتكى فانس من تنظيم الحكومة الإسرائيلية لحملات ممنهجة على منصات التواصل الاجتماعي، يقودها مدير حملة ترامب السابق، براد بارسكيل، للتأثير على الإدارة الأمريكية ودفعها نحو الحرب، مقابل مليون ونصف المليون دولار شهرياً. إلى جانب هذا كله، تواترت بعض الأنباء عن اعتبار مسؤولين عرب نتنياهو مشكلة دولية، يزيد وجوده التوترات في الإقليم ويقوض استقرار الأنظمة العربية فيه.
على المستوى الداخلي، يبدو أن إسرائيل قد دخلت نفقاً مظلماً؛ إذ تجاوزت التباينات بين مواقف المعارضة والحكومة حدود التنافس السياسي التقليدي أو التعبير عن الرأي، حتى وصلت حدود الكراهية والعداء الشخصي. ثمة هوس محموم في الحكومة الإسرائيلية باستغلال انتهاء ولاية الكنيست الحالية والمسارعة نحو سن تشريعات جديدة تمنح الائتلاف الحكومي امتيازات مالية وقانونية كبيرة، استعداداً لليوم الذي يغادرون فيه الحكومة؛ وهو ما دفع الجمهور وقادة المعارضة إلى اعتبار ما يجري بمثابة سرقة كبرى لموارد الدولة. كذلك اكتشف الجمهور أن قيادة نتنياهو لإسرائيل قادها إلى كارثة السابع من أكتوبر وفق التعبير الإسرائيلي، وإلى كوارث اقتصادية وقانونية، وتقويض العقد الاجتماعي التأسيسي الذي نظم العلاقة بين أطياف عديدة من الإسرائيليين.
وفي خضم هذا المشهد المأزوم، يعتري الخوف عائلة نتنياهو من تداعيات فترة حكمه الطويلة التي حول فيها إسرائيل إلى نظام حكم اوليغارشي؛ تداخل فيه النفوذ الافتراضي لنجله يائير عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالدور التدخلي لسارة نتنياهو في التعيينات الرسمية، فضلاً عن ملفات الفساد التي تلاحق نتنياهو. في هذا السياق، تمارس سارة نتنياهو ضغوطاً هائلة على جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" لانتزاع حماية دائمة لها ولنجليها مدى الحياة، وهو ما يخالف البروتوكول المتبع في مثل هذه الحالات؛ الأمر الذي دفع نائب رئيس الجهاز السابق إلى التساؤل مستنكراً عن طبيعة الإرث الذي خلفته هذه العائلة لتطلب مثل هذه التدابير الاستثنائية، مستشهداً بقرينات رؤساء وزراء سابقين -كاليزا أولمرت، أو نوا باراك- اللواتي التزمن بالمحددات البروتوكولية دون المطالبة بحماية دائمة، مما يكرس الانطباع بأن حجم التجاوزات للعائلة هو الدافع الحقيقي وراء هذه الهواجس الأمنية المفرطة.