د. سامح خضر
لا ينتمي دونالد ترامب إلى المدرسة التي تقوم على استقراء التفاصيل والتخطيط المسبق لها، ولا تستهويه الأطر التفاوضية المتخصصة التي تقودها فرق الخبراء والمستشارين. إنه رجل اللحظة، والمقاربات الخاطفة، والتصريحات الاستعراضية البراقة والمبالغ فيها. يدير الولايات المتحدة بعقلية سماسرة العقارات الذين يملّون سريعًا، ولا يطيقون صبر التفاوض الطويل بشأن مسألة يرغبون فيها بشدة.
وقد بدا ذلك جليًا منذ ولايته الأولى، التي اتخذ خلالها سلسلة من القرارات الاقتصادية والسياسية، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهي توجهات أفرزت ارتدادات قوضت مصداقية واشنطن بوصفها حليفًا ضامنًا في البيئة الدولية. ويظل الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي مع إيران الشاهد الأبرز على هذا النهج؛ إذ أدى هذا الإجراء إلى تفكيك جهود الرقابة والردع التراكمية التي قادتها القوى الدولية، ومنح طهران المسوغ السياسي للتنصل التدريجي من التزاماتها التقنية في هذا الشأن، لا سيما في ظل غياب إطار بديل يضمن مسارات رقابية ملزمة على الجانب الإيراني.
وبالنظر إلى اتفاق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الذي قام على عنصر أساسي هو "الغموض الاستراتيجي"، مدفوعًا بالرغبة في عدم الاستغراق في تفاصيل حيوية وتقنية معقدة، فقد أفضت هذه المقاربة إلى نموذج سلبي لم يقتصر على تنصل إسرائيل من استحقاقاتها، واحتفاظها بسلطة تفسير بنوده، بل امتد إلى تعمد خرق هذه البنود لفرض وقائع قسرية على الأرض، تتناقض مع جوهر تلك التفاهمات.
وهي المسألة التي دفعت القاهرة، عبر تصريحات مسؤولين مصريين، إلى التشديد على حتمية البدء في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وإطلاق مسار سياسي يضمن وضع إعادة إعمار قطاع غزة على رأس الأولويات، للحد من المعاناة الإنسانية، ومجابهة الخطط الإسرائيلية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين خارج القطاع.
وفي هذا السياق، يبدو أن اتفاق الإطار مع إيران قد صُمم بالروح ذاتها تقريبًا، إذ خلا نصه من أي حديث عن التفاصيل الدقيقة والمتخصصة للبرنامج النووي، أو الصواريخ الباليستية، أو أمن الممرات المائية، وهو ما دفع كل طرف إلى الاجتهاد في تفسير وتأويل بنود الاتفاق بما يتوافق مع مصالحه.
وتأسيسًا على ذلك، يصبح من الطبيعي أن يتعذر صمود اتفاق الإطار؛ لأن المساحات التأويلية فيه أكثر اتساعًا من البنود المحكمة الصياغة. وقد ثبت أن سياسة "سنتحدث عن البحر عندما نصل إليه" ليست سوى آلية قاصرة تصلح لتهدئة مؤقتة، لكنها تفشل في صياغة سلام مستدام أو تسوية تاريخية يمكن التعويل عليها.