البث المباشر الراديو 9090
داليا الحديدي
الأولى فاتنة كأدنبرة، والثانية مترفة كالدوحة.. الكبرى مُشتهى كأحلام من بلغوا الحلم، كخمرٍ معتق، كنقدٍ أخضر، كلحظات التتويج، أما الصغرى فببهجة الزغاريد، وغزل البنات، والحلوى القطنية، ومزامير القِرَب الاسكتلندية..

إن تبسمت "دانا" فهي جمع الربيع، وإن نطقت أختها فهي أهازيج العيد، بل هي الفصول الأربعة في لحن "فيفالدي".. وأنت تحتار حين تختار بين العهدين: القديم أم الجديد، بين غنج "رينيه زيلويغر" أم رقي الأميرة فوزية.

شقيقتان..

إحداهما واعدة كالبدايات، ساحرة كعازفة هارب، تخطف نظرات الإعجاب، فهي تتمتع بأصالة "شاهندة مقلد" ورصانة قضاة المحكمة الدستورية العليا.. أما الأخرى فعاصفة كمفترق طرق، عصبية كآلة درامز، تكذب باحترافية مندوبة مبيعات، لعوب، تدور بك كأبواب فندق خشبي عتيق، وقد تسرق عينيك بالقرنية، ثم تساوم على الهدب، والبصر، والبصيرة، عدا كونها مستبدة، تحرم علينا نطق "القاف" وسائر الحروف المغلظة.. وننصاع بملء محبتنا.

البكرية تتقن لغة المسافات، حركتها سمو إلى العلا، لا تسير في المنعطفات، باترة كحسام أموي، حاسمة كمواقف صافيناز كاظم، ثابتة كوشم صليب على معصم خوري، قاطعة كمطلقة خلعت زوجها بعدما تيقنت من حتمية رمي العلاقات العفنة في سلة القاذورات، توصد الأبواب بقبضة غضب، بصفعة هادرة، فيما تسلك شقيقتها الطرق المنحدرة اختصارًا للمسافات، كما تفسح مكانًا لرمية نرد، والتقاط الأنفاس، وتوبة نصف نصوح، متأهبة للاستئناف والنقض، وللجولات الثانية، وللملاحق، وللمحلل، وللإسعافات الأولية، ولمواسم التنزيلات، وللخطط البديلة، تترك الأبواب مواربة لخط تسلسل موازٍ، إلا أنها تترصد للغياب في حضرة القساة؛ لتتنفس الصعداء دون بذل جهد في إبعادهم، فيما تحرص أختها على إقصاء قاسية قلوبهم من خارطة محيطها الإقليمي؛ لتأمين الأكسجين النقي.

تنفق الحسناء من حساب مفتوح مودع بمصارف السماء، ولا تعبأ بتناهي حسرات "لولا" عقب "جيد". بالمقابل، تقتصد الفاتنة في إضاءة جوالها، كما ترحب بلذعة أسف تطفلت على خلوتها لكلفة تضوع الطيب من بدنها، وبنهاية المطاف تلف ما ادخرته في وريقة عنب مكتوب عليها: إهداء إلى فلسطين.

ذات الشعر الطويل حادة كإبرة لها يد طولى، تمشي بأكابرية السيد عمرو موسى، وتجلس بعنجهية الأميرة "آن"، أما مزركشة الشعر فخيطها طيع، وأنا الضم، أرتق وأرفو لتنغرس عقد الوداد في كنزة القلب.

في حضرة الشقيقتين تخالك، ويكأن محمود درويش يشاكس إدوارد سعيد في متن قصيدة الاستشراق، وأحيانًا يتشاجران بالجمر على تمر، واحدة تجترئ، فيما الأخرى تندري، لكن ساعة تضع الحرب أوزارها يتقاذفان نوى الصلح تأهبًا لعناق وردي، وفي ثنايا نظرات العتاب يتوسدان تباريحهما، ويحضنان الوجع، ثم يغفيان على لحن أنشودة الأخوة الأبدية.

شقيقتان، على ثغرهما الزهري مرسى شفاهي ومنتهى العمر.

شقيقتان تشبهان ثمار التوت الأحمر والتوت الأخضر، على أمل أن يسترد الشجر ثماره.

واليوم، وقد كبرت قياسات أقدام أبنائي تأهبًا للترجل والرحيل، آمل أن يعيد الطريق إليَّ خطاهم، وأن يرد لي الزمن رزنامة الأمس.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز