داليا الحديدي
لم يتأثر جسدي بتلك الجرعات، بينما أدمنته مريضة أخرى حتى رفعت دعوى قضائية ضد المستشفى مطالبةً بتعويضات. ومنذ ذلك الحين، لم أعد أميل إلى مسكنات الألم بقدر ميلي إلى صديق يواجهني بحقيقة وضعي، على من يخدرني بأوهام مفادها أن الطموح لا ضرورة له، وأن حياة المعدمين أكثر دفئًا وطمأنينة.
كثيرًا ما يُقال إن الموظف محدود الدخل أكثر راحة من صاحب المليارات، لكن مثل هذه العبارات لا تؤدي، في كثير من الأحيان، إلا إلى تخفيف شعور الميسورين بالمسؤولية تجاه الفقراء، وكأن الرضا وحده يكفي لسد فجوة الاحتياج.
أتظنون أن الفقراء لا يعرفون الترف أو لا يشتهونه؟
كلا.
إنهم، في كثير من الأحيان، يدفنون رغباتهم خوفًا من قسوة العجز، لا لأنهم لا يحلمون. فالإنسان، مهما ضاقت به الحياة، يظل قادرًا على الحلم.
هل سبق أن تجسست على أمنيات فقير؟
هل فتحت باب أحلامه لترى ما يخفيه من احتياج؟
هل رأيت شغفه ببيت أوسع، أو سيارة أفضل، أو حياة أكثر كرامة؟
هل تأملت ربة منزل بسيطة وهي تنظف نوافذ البيوت، ثم تنظر إلى انعكاس صورتها على الزجاج، فتسرح بخيالها إلى حياة أخرى أكثر رحابة وأناقة؟
وهل رأيت حارسًا بسيطًا يضع قلمًا في طرف فمه، متخيلًا نفسه قائدًا يصنع القرار ويأمر فيُطاع؟
أو متسولًا على الرصيف، يظنه الناس بلا أحلام، بينما ينسج في داخله عالمًا كاملًا من الأمنيات؟
إنهم لا يفتقدون الأحلام، بل نفتقد نحن البصيرة التي تكشف لنا حجم ما يختبئ خلف وجوههم من أمنيات مؤجلة، ورضا اضطراري فرضته قسوة الواقع أكثر مما اختارته نفوسهم.
ولذلك يبدو الفقر، من الخارج، أكثر هدوءًا واستقرارًا مما هو عليه في الحقيقة، بينما يخفي داخله صراعًا يوميًا لا يراه إلا من يعيشه.
أما الثراء، فهو حالة متحركة، مليئة بالطموح والمخاطرة والسعي الدائم، وقد يحمل لصاحبه راحة أو قلقًا، نجاحًا أو إخفاقًا، لكنه يظل قائمًا على الحركة.
أما الفقر، فكثيرًا ما يتحول إلى حالة من الجمود إذا استسلم صاحبها لفكرة أن الرضا وحده يكفي.
الفقر لا يطلب الكثير، وقد يكتفي صاحبه بالحلم بضربة حظ تغير حياته، أو يكتفي بالحسرة على ما فاته. أما الثروة، في الغالب، فهي ثمرة سعي متواصل، وإصرار لا يمل من تكرار المحاولة.
ولذلك قال الشاعر:
«ولا تكُ عالةً في عنقِ جدٍّ.. رميمِ العظمِ أو عبئًا على ابنِ»
إن فكرة أن الفقير أسعد من الملياردير ليست حقيقة مطلقة، بل مقولة رددها كثيرون حتى بدت وكأنها حقيقة، رغم أنها قد تتحول أحيانًا إلى ذريعة لتجاهل احتياجات الفقراء، والإيحاء بأن الرضا الفطري يعوضهم عما ينقصهم، وأن الأغنياء يدفعون ثمن ثرواتهم شقاءً نفسيًا، وكأن ميزان الحياة يتكفل وحده بتحقيق العدالة.
غير أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
فبين الفقراء من أدرك أن أعظم ما تمنحه الحاجة هو قدرتها على صناعة التحدي، وتحويل الألم إلى دافع، والحرمان إلى وقود للنجاح. ولهذا خرج من بين الفقراء رجال ونساء صنعوا ثرواتهم بأيديهم، بينما خرج من بين بعض الأثرياء من أهدروا ما ورثوه لأنهم لم يعرفوا قيمة الكفاح.
إن عبقرية رنين الناي لم تنبع من كثرة ثقوبه، بل من الضغط المتقن على تلك الثقوب.
ليست هذه دعوة إلى تمجيد الرفاهية، ولا إلى ازدراء الفقر، وإنما هي رفض لربط الفقر بالفضيلة على إطلاقها، وربط الثراء بانعدام الشرف على إطلاقه. فكما يوجد فقراء شرفاء، يوجد أغنياء شرفاء، وكما يوجد بين الطرفين نماذج مضيئة، توجد أيضًا نماذج أخرى على النقيض.
مرحبًا بغنى يحفظ الكرامة، ويصون ماء الوجه، ويصنع الفرص. وتعسًا لفقر يتحول إلى استسلام دائم، ويقنع صاحبه بأن انتظار الفرج أفضل من السعي إليه، أو أن رفض العمل المتاح أهون من البدء بخطوة متواضعة نحو المستقبل.
أنا أرفض التخدير بفكرة أن الفقراء وحدهم أصحاب راحة البال. فالفقر ليس نعمة في ذاته، ولا فضيلة في حد ذاته، بل اختبار عسير، قد يكسره بعض الناس، وقد يصنع من آخرين نماذج ملهمة في الصبر والعمل.
الفقر خريف الاقتصاد، لكن الربيع قد يبدأ بمحاولة واحدة لا تتوقف.
وأنا أراهن دائمًا على مثابرة الإنسان؛ فالحصان الوديع قد تكون ركلته الأقوى حين يحين أوان الانطلاق.
وإن كانت صباحاتك معتمة، فاجتهد لغروب يليق بأحلامك.