الدكتورة سماء سليمان
ومن هنا، لكي تنجح مصر في هذا الإنتقال تستلزم هذه المرحلة تغييرًا في الفكر المجتمعي والسياسي، وفي نظرة المواطن إلى الدولة والعمل والإنتاج.
وفي الوقت الذي تركز الدولة جهودها لجذب الاستثمارات الخارجية، ولعل من أبرزها الجولة الآسيوية الأخيرة للسيد الرئيس لكل من كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، في إطار السعي للاستفادة من الخبرات الصناعية والتكنولوجية لهذه الدول، وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا إلى مصر. فإن هذه الجهود لا تتوقف على قدرة الدولة على جذب الاستثمارات، بل تتوقف أيضًا على قدرتنا على بناء مجتمع منتج يستطيع استيعاب هذه الاستثمارات، والمشاركة فيها، وتعظيم العائد منها.
وهنا تبرز القضية الأهم؛ وهي أن الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإنتاج لا بد أن يصاحبه تحول في منظومة القيم التي تحكم المجتمع المصري.
فقد اعتاد قطاع من المجتمع، نتيجة تراكمات تاريخية ارتبطت باتساع دور الدولة في التوظيف والإنتاج وتقديم الخدمات، أن ينظر إلى الدولة باعتبارها المسؤولة عن توفير احتياجاته وحل مشكلاته. ومع التحول نحو اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الاستثمار والمبادرة الخاصة والمنافسة، لا بد أن تتغير هذه النظرة، بحيث يصبح المواطن شريكًا في صناعة الثروة، لا مجرد منتظر لنصيبه منها.
وهذا لا يعني أن تتخلى الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية، أو أن تترك الفئات الأكثر احتياجًا لمواجهة ظروفها وحدها، وإنما يعني أن يتطور دورها من مجرد إدارة الاحتياجات إلى بناء القدرات الإنتاجية للمجتمع، ومن الاكتفاء بمعالجة الفقر إلى العمل على خلق الثروة التي تساعد على تجاوزه.
فبدلًا من أن ينشغل المجتمع بكيفية توزيع الموارد المحدودة، ينبغي أن ينشغل بكيفية زيادة هذه الموارد وتعظيم قيمتها. وبدلًا من المطالبة المستمرة بتوسيع دور الدولة في توفير كل شيء، ينبغي أن تتجه المطالب إلى تمكين المواطن من العمل والإنتاج، وتوفير البيئة التي تساعده على إنشاء مشروعه وتطويره وتحويله إلى مصدر دخل مستدام.
إن نشر قيم العمل والإتقان والضمير المهني هو أحد الشروط الأساسية لهذا التحول، فالثروة تصنعها بجانب الأموال وجود ثقافة تحترم العمل، وتقدر المهارة، وتكافئ المجتهد، وتمنح صاحب الفكرة والجهد فرصة حقيقية للنجاح.
ولعل من أهم الأفكار التي يمكن أن تتبناها الدولة في هذا السياق، إطلاق مشروع وطني "نحو القرية المنتجة والمحافظة المنتجة" ، من خلال وضع خطط إنتاجية لكل قرية ومحافظة، تستثمر ما تتميز به من موارد طبيعية وبشرية وخبرات متراكمة، وتمنحها ميزة تنافسية في إنتاج سلع أو تقديم خدمات يمكن تسويقها داخل مصر وخارجها.
فلماذا لا تكون لكل محافظة خريطة إنتاجية واضحة تحدد ما يمكن أن تتميز فيه، وما الصناعات التي يمكن أن تتوسع فيها، وما المنتجات التي تستطيع تسويقها في المحافظات الأخرى بل وأن تتحول المنافسة بين المحافظات إلى منافسة في الإنتاج والتصدير وخلق فرص العمل، مع تشجيع التكامل بينها في سلاسل الإنتاج والتوريد.
إن السوق المصرية، التي يتجاوز عدد سكانها مئة مليون نسمة، تمثل فرصة كبيرة لتوسيع الإنتاج المحلي، خاصة إذا ارتبطت خطط المحافظات بمنظومة متكاملة للتسويق والتوزيع، تتيح للمنتجين الوصول إلى المستهلكين، وتساعد المشروعات الصغيرة على تجاوز حدود أسواقها المحلية.
ويأتي هنا دور المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، باعتبارها المدخل الأساسي لتوسيع قاعدة المنتجين في المجتمع. فالمشروع الصغير الذي يبدأ بإمكانات محدودة يمكن أن يتحول، مع التمويل المناسب والتدريب وتيسير الإجراءات وفتح الأسواق، إلى مشروع أكبر، ثم إلى شركة قادرة على التوسع والتصدير.
ومع تزايد عدد هذه المشروعات ونموها، يمكن أن تنشأ طبقة جديدة من المنتجين ورجال الأعمال، تقوم ثروتها على العمل والإنتاج والابتكار، وتصبح قادرة على الاندماج والتعاون فيما بينها لتكوين شركات أكبر وأكثر قدرة على المنافسة.
ومن شأن هذا الحراك الاقتصادي أن يفتح مسارات للانتقال الاجتماعي من الطبقات الأقل دخلًا إلى الطبقة الوسطى، ثم إلى شرائح أعلى، من خلال العمل المتقن وزيادة الإنتاجية وتحسين الدخل، بدلًا من أن يظل الصعود الاجتماعي مرتبطًا بالحصول على وظيفة أو انتظار فرصة استثنائية.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك دون مشاركة أوسع للمرأة والشباب في النشاط الاقتصادي. فالمرأة التي تحصل على فرصة عمل مناسبة أو تنشئ مشروعًا منتجًا لا تضيف دخلًا إلى أسرتها فحسب، بل تسهم في تحسين مستوى معيشتها، وتوسيع فرص أبنائها، وزيادة الطاقة الإنتاجية للمجتمع. ومن ثم، فإن تغيير النظرة المجتمعية إلى عمل المرأة، وتوفير التدريب والتمويل والأسواق المناسبة لها، يمثل ضرورة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
أما الشباب، فلا بد من نقل تفكيرهم من انتظار الوظيفة إلى اكتساب المهارة وصناعة الفرصة، وهو ما يتطلب ربط التعليم والتدريب باحتياجات الإنتاج، وتقديم نماذج ناجحة لرواد الأعمال والمنتجين، وتيسير تأسيس المشروعات ونموها.
وهنا يأتي الدور الحقيقي للدولة؛ فهي مطالبة بوضع الخطط الإنتاجية، وتحديد القطاعات الواعدة، وتوفير التمويل المناسب، وتبسيط الإجراءات، ودعم التسويق والتصدير، ومساعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على النمو والاندماج، مع ضمان المنافسة العادلة وحمايةش حقوق العاملين والمستهلكين.
كما أن عليها أن تربط الحوافز الاستثمارية بزيادة الإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا وتطوير العمالة المحلية، حتى تتحول الاستثمارات الخارجية إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري، وليس مجرد تدفقات مالية لا تنعكس بالقدر الكافي على قدراته الإنتاجية.
إن زيادة الإنتاج والتصدير، وتقليل الاعتماد على الاستيراد حيثما كان الإنتاج المحلي قادرًا على المنافسة، من شأنهما أن يساهما في تخفيف الضغوط على الموازنة العامة، وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي، وتعزيز قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها من موارد أكثر استدامة.
لكن الأهم من كل ذلك هو أن يتحول الإنتاج إلى ثقافة مجتمعية، وأن تصبح قيم العمل والإتقان والالتزام بالمسؤولية جزءًا من تكوين الإنسان المصري.
إننا أمام مرحلة جديدة لا يكفي فيها أن تبني الدولة المؤسسات والطرق والمصانع، بل يجب أن تبني معها مجتمعًا قادرًا على استثمارها وإنتاج الثروة من خلالها. فالدولة التي تنجح في بناء البنية التحتية، تحتاج إلى مجتمع ينتج فوق هذه البنية، ويحولها إلى فرص عمل ودخل وصادرات وقيمة مضافة.
ومن هنا، فإن مرحلة إدارة الثروة والقيم الإنتاجية تقوم على دولة تضع الخطط وتيسر الإجراءات وتضمن عدالة الفرص، ومجتمع يبادر ويعمل وينتج، وقطاع خاص يستثمر ويوسع نشاطه، وفكر مجتمعي يقوم علي منظومة قيم تقدر العمل واتقانه وتربط النجاح بما يقدمه الإنسان لمجتمعه.
وتتمثل فلسفة هذه المرحلة "إدارة الثروة والقيم الإنتاجية" في الانتقال من دولة تبني الإمكانات إلى دولة تعظم عوائدها، ومن مجتمع ينتظر التنمية إلى مجتمع يصنعها، ومن اقتصاد يواجه تحديات موارده المحدودة إلى اقتصاد يوسع ثروته بجهد أبنائه وإنتاجهم وإتقانهم.