دكتور محمد فياض
ها هى تحكى لى عن تاريخ الجُرس فى مصر، والجُرسة بضم الواو تعنى الفضيحة أو العمل الشائن الذى يحاول صاحبه دائمًا أن يتبرأ منه كونه منبوذًا من المجتمع الذى يعيش فيه.
من المدهش أننا نستطيع فهم الكثير عن أى مجتمع من خلال فهمنا تاريخ الجرُس والفضائح، كونها تجعلنا نقف بدقة على الأمور التى يرفضها هذا المجتمع وينبذها.
حكت لى كيف كان أهل الريف ينظرون إلى من يشترى رغيف العيش من مخابز المدينة نظرة دونية، وكيف كان هذا الفعل الشائن جُرسة كبيرة بين أوساط الفلاحين، بأن هذا الرجل اشترى عيش "مكنة"، وأنه قد عرض نفسه بذلك إلى طوفان من السخرية والتهكم، ولو اضطر أحد سكان الريف أن يشترى بضعة أرغفة من الخبز كان يخفيهم بين طيات ملابسه، وكأنه يحمل ممنوعات، ونفس هذه الفضيحة قد تنطبق على من يشترى فراخ "بيضا"، وقت أن كان الريف المصرى منتجًا.
وتستمر جدتى لتحكى لى عن جُرسة البقال الذى زاد عن التسعيرة، وحسب نص حديثها، "التموين مسكه وركب البوكس" ويالها من جُرسة لهذا البقال الذى تم توقيفه من خلال مباحث التموين، وكيف كانت هذه الجُرسة ترافقه طويلاً، ولم تنس أن تذكر لى كيف أن خطيب ابنته تركها عندما علم تاريخ والدها الملوث، وهو ما يجعلنا نفهم كيف كان المجتمع المصرى يفكر ويعمل خلال هذه الفترة.
وتنتقل فى حديثها عن جُرسة أخرى قد تلحق ببعض الشباب الذين يقفون على نواصى الشوارع ويتعرضون للفتيات بالقول، وقد يكون الشاب سيء الحظ فيتم الإمساك به من قبل الشرطة ليحلقوا له شعره، وبذلك يصبح الشاب من المُجرسين والمفضوحين فى منطقته السكنية، ويتندر الجميع على هذا الشاب فاسد الأخلاق الذى يختفى تمامًا حتى يظهر شعره المحلوق مرة أخرى.
وفى الإطار السياسى كانت تهمة الشيوعية كفيلة فى بعض الأحيان بأن ترتقى لمرتبة الجُرسة، فكانت جملة جدتى "مسكوه عشان طلع شعوعى"، أى شيوعى، وهو ما قد يؤرخ لنظرة المجتمع لبعض التيارات السياسية والفكرية خلال هذه الفترة.
كما كانت الدروس الخصوصية جُرسة كبيرة، فمعنى أن يلجأ الطالب آنذاك إلى درس خصوص أنه طالب ضعيف يحتاج إلى تقوية، وكيف كان هذا الطالب يتخفى عند ذهابه وإيابه إلى مجموعة التقوية، وكأنه أحد اللصوص الهاربين، وهو ما يجعلنا نفهم بل ونتحسر على الرؤية الشعبية لقيمة المدرسة فى تلك الأيام.
أما الآن، فقد صار لهذا المجتمع جُرسة أخرى، جُرسة أن تكون إخوانيًا صار أفراد هذا المجتمع الآن ينفرون من هذه الصفة ومن حامليها، وصار العديد من الإخوان يتبرأون من انتمائهم القديم، مستخدمين كلمات من نوع "والله أنا مش إخوانى ومش بحترمهم، كنت مخدوع فيهم، دى كانت مصالح"، صارت صفة الإخوانى فى المجتمع المصرى فضيحة وسُبة، أن يتهمك أحد فى هذا الزمان أنك تحمل بين طيات عقلك بعض من فكر الإخوان فهى تهمة كفيلة بأن تجعلك منبوذًا ومكروهًا من الآخرين.
لا يتعلق الأمر هنا بتهم سياسية، ولا ملاحقات أمنية، بل يتعلق بذهنية هذا المجتمع وعاطفته وإدراكه الذى ألقى بهذه الفئات الضالة فى مزبلة التاريخ، كما ألقى بهم من منابر السياسة، فتحولت صفة إخوانى فى ذهن هذا المجتمع مرادفة للحقد والغل والكره والتطرف وعدم الانتماء، حتى صار التأخون جُرسة وفضيحة غير قابلة للتصالح ولا للنسيان.