الدكتور محمد فياض
وفى الحقيقة فإن أغرب تلك التساؤلات ما أثير داخل بعض كتب التراث من قضية أطفال الكفار وما هو مصيرهم فى الآخرة حال موتهم، هل سيدخلون الجنة أم النار، وهذه المسألة على ما فيها من بشاعة فى الفكر والتصور فهى تشى لنا أيضاً عن إشكالية الدين المتعالى ومنطق الفرقة الناجية والتى طالت حتى الأطفال فصورت داخل هذه الذهنيات المريضة أن الله عز وجل سيكون مهتماً بحرق ملايين الأطفال فى نار جهنم كون آبائهم لم يؤمنوا أو حتى آمنوا على دين آخر وهو ما يمثل قمة الداعشية فى الذهنيات والأفكار والتساؤلات، كما أن المأساة تكمن فى تعامل العديد من الفقهاء مع الجنة على أنها إقطاع من الله تم منحه لهم وأن فتاويهم هى التى ستحدد من الذى سيستمتع بدخول هذا الإقطاع ومن الذى سيحرم منه وكأننا أمام جنة تم تصويرها بمنطق الإقطاع والوسية .
الأنكى أنك تجد إجابات لهذه التساؤلات داخل بعض كتب التراث، وأنا أتصور مثلاً أننى لو كنت فقيهاً وجائنى أحدهم ليسألنى عن هذه المسألة لكنت أشبعته ضرباً بالقفا حتى يفهم جوهر الإجابة، ولكن المأساة أن المسألة صارت قضية بها أراء ورؤى وشد وجذب تصور لنا حالة واضحة من الإعاقة النفسية والتشوه العقلى، فعلى سبيل المثال يقول ابن كثير " فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة "، أما النووى فيقول " أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، لأنه ليس مكلفًا، وأما مصير أطفال الكفار فقد اختلفوا فيما بينهم حيث قال بعضهم إنَّهم فى الجنَّة وقال البعض الآخر إنَّهم على الأعراف، وهو الأغلب، وتحدث البعض الآخر بأنهم مع آبائهم فى النار ويستدلون على ذلك بحديث ضعيف عن سلمة بن قيس الأشجعى قال أتيت أنا وأخى النبى صلى الله عليه وسلم فقلنا إن أُمّنا ماتت فى الجاهلية وكانت تقرى الضيف وتصل الرحم وأنها وأدت أختا لنا فى الجاهلية لم تبلغ الحنث فقال الوائدة والمؤودة فى النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم، ومنهم من حاول تفسير الأمر بشكل من أشكال الطبقية فى التناول فكان طرحه بأن هؤلاء الأطفال سيكونون خدم أهل الجنَّة، كما حاول البعض إضفاء نزعة مسرحية على المشهد البائس بأنَّهم يُمتحنون فى الآخرة، فمن أطاع الله دخل الجنة، ومن عصى دخل النار وهذا ما ستجده لدى أبو الحسن الأشعرى، والبيهقى، وصديقنا العزيز ابن تيمية، فنسبوا للرسول ما مفاده " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات فى الفترة، والشيخ الفانى، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى لعُنُق من النار: أُبْرزْ، ويقول لهم: إنى كنت أبعث إلى عبادى رسلا من أنفسهم، وإنى رسول نفسى إليكم، اُدخلوا هذه ( أى النار)، قال: فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب إنى ندخلها ومنها كنا نفرّ، قال: ومن كتب عليه السعادة يمضى فيقتحم فيها مسرعًا، قال : فيقول الله تعالى أنتم لرسلى أشد تكذيبا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار".
وتطرف البعض الأخر فى التناول المسرحى للأمر قائلين بأن "الله أعلم بما كانوا عاملين": إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا، وأن من يطيعه وقت الامتحان كان ممن يطيعه لو عاش فى الدنيا، ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش فى الدنيا فهو دليل على تعلق علمه بما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
على أية حال فإن المغزى من كتابة هذه المقالة ليس البحث بطبيعة الحال فى مصير هؤلاء الأطفال، فالتراث الشعبى الأكثر صدقًا ونقاءً من هذه الترهات قد قال ببساطة ومحبة إن الأطفال أحباب الله ولكن ما يعنينا هو هذا السفه العقلى فى السؤال وفى الإجابة وفبركة الأحاديث وتشكيل الماضى لأجل الخوض فى قضايا جدلية لا تتسم بالرحمة ولا بالمنطق، فكانت هى وغيرها من فتاوى مثل نكاح الجان ونجاسة دم البرغوت وإشكالية دخول الحمام بالقدم اليسرى أم اليمنى كاشفة لهذه الذهنيات ومعبرة عن عقلية بدوية استولت على كتابة التاريخ وصياغة التراث وتشكيله حتى صار ذخراً ومظلة لكل من يجد فى نفسه هوى متطرف أو داعشى.