البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
كنت كتبت مقالًا حول مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية الذى عُقد بكازاخستان ذكرتُ فيه أن وكالات الأنباء تناقلت صورًا لجنود الكيان الصهيونى وهم يطرحون أحد رهبان كنيسة دير السلطان بالقدس أرضًا أثناء اعتقاله، ومعه عشرات المسيحيين الأرثوذكس.

وذلك على أثر وقفة احتجاجية تنديدًا ببدء أعمال الترميم فى كنيسة دير السلطان الملاصقة لكنيسة القيامة فى القدس دون موافقة الكنيسة القبطية.

والحقيقة أن حكاية دير السلطان مهمة بالفعل، وتحتاج إلى شرح القصة وكيف بدأت.. والأهم، هو سرد تاريخ ذلك الدير الأثرى الذى يحمل مكانة خاصة لدى المسيحيين الأقباط، حيث تقول الكنيسة المصرية، إن لديها وثائق ملكية لكنيسة دير السلطان منذ القرن الـ 16 تثبت ملكيتها للمكان.

يقع دير السلطان على سطح كنيسة القديسة هيلانة، وكنيسة الملاك والممر الموصل من كنيسة هيلانة إلى سور كنيسة القيامة، أى يقع داخل نطاق المنطقة المقدسة التى شهدت حياة السيد المسيح.. وللدير أهمية خاصة عند المسيحيين، لأنه طريقهم المباشر للوصول من دير مار أنطونيوس إلى كنيسة القيامة، ومعنى فقدانه أن يضطر الحجاج والزوار إلى المرور فى طرق عمومية طويلة ليصلوا إلى وجهتهم.

ويُروى أن صلاح الدين الأيوبى أهدى هذا الدير للأقباط تقديرًا لدورهم معه فى النضال ضد الصليبيين، ولذا سُمِّى "دير السلطان".

وقد ذُكِر عن الدير فى كتاب "قصة الكنيسة القبطية" أنه كان يوجد بداخله كلية للتعليم كان بها مُدَرِّسون من القاهرة، وكانت تُعتبر من أحسن مدارس المنطقة، إن لم تكن أحسنها، ومبنى دير السلطان هِبة من صلاح الدين الأيوبى للمسيحيين، تقديرًا منه لخدماتهم ولولائهم، واعترافًا منهم بفضله أعطوا الدير هذا الاسم، ثم افتتحوا به مدرسة باسم "الكلية الأنطونية"، إذ إن غالبية الرهبان الخادمين فى الأراضى المقدسة من دير الأنبا أنطونيوس.
كانت الحكومة المحلية فى ذلك الوقت قد طردت الأحباش من أديرتهم وكنائسهم، لعجزهم عن دفع الضرائب المُقررة عليهم، فاستضافهم المسيحيون حِرصًا على عقيدتهم، وتوفيرًا لهم السبيل للبقاء فى القدس على أساس أنهم ضمن أولاد الكنيسة القبطية.

وخلال القرون الثلاثة حاول الأحباش محاولات عديدة للاستيلاء على الدير وإخراج الأقباط منه، وكانت محكمة القدس الشرعية تُعيد الحق إلى أصحابه فى كل مرة إلى أن مكنت سلطات الاحتلال الإثيوبيين من الاستحواذ عليه.

يقول الدكتور أنتونى سوريال عبد السيد، أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة أسيوط عن دير السلطان فى كتابه "مشكلة دير السلطان بالقدس"، والذى يعد دراسة وثائقية للصراع التاريخى بين الأقباط والإثيوبيين على الدير، إن مشكلة دير السلطان بالقدس من المشكلات القديمة، وهو ملك لمسيحيى مصر تؤيده الوثائق التاريخية، وأن الإثيوبيين طالبوا به وادعوا ملكيتهم له.

أضاف: "ومما ساعد على استمرار هذه المشكلة من ذلك الحين، أطماع الدول الأجنبية الكبرى مثل روسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وكان بادعاء روسيا فى القرنين 18 و19 أنها حامية المسيحيين الأرثوذكس فى أملاك الدولة العثمانية، أن شجعت الإثيوبيين فى مطالبتهم بهذا الدير بهدف بث الفرقة، والاضطرابات الطائفية بين مسيحيى الشرق، لزعزعة الحكم العثمانى وإسقاط الخلافة العثمانية تمهيدًا للاستيلاء على "القسطنطينية" ليصلوا إلى البحر المتوسط.

ويروى الكتاب أيضًا، أن مسيحيى مصر ودون أن يشعروا، ساعدوا على إيجاد هذه المشكلة واستمرارها، إذ اعتقدوا أن انضمامهم مع الأقباط الإثيوبيين لكنيسة واحدة ومذهب واحد لفترة طويلة، بدأت من أوائل القرن الرابع الميلادى وحتى الآن، لن يجعل الإثيوبيين يفكرون فى السيطرة على الدير، لذلك فقد استضاف المسيحيون إخوانهم الإثيوبيين فى الدير من القرن السابع عشر الميلادى، وذلك بعد ان استولى الأرمن على كل أملاك الإثيوبيين بسبب عجزهم عن دفع الضرائب عن هذه الأملاك، وبالرغم من هذه الاستضافة فإن الإثيوبيين بدأوا يسببون الاضطرابات للمسيحيين مستغلين فى ذلك تدخل الدول الأجنبية.

ومع ذلك لم يفكر الأقباط إطلاقًا فى طردهم من الدير، ما زاد من اعتقاد الإثيوبيين فى ملكيتهم لهذا الدير، وبالتالى، زادت رغبتهم فى الاستحواذ عليه فحاولت الإمبراطورة "طايطو" زوجة الأمبراطور "منليك" مع الأمير تفرى- الإمبراطور هيلاسيلاسى- الاستيلاء على الدير.

ويشرح الدكتور سوريال كيف أن الدول الأجنبية الكبرى، لم تكن فقط من تدخلت فى المشكلة بل تدخل فيها الأردن، ودولة الاحتلال الصهيونى أيضًا، فبعد نهاية حرب فلسطين وسيطرة الأردن على الضفة الغربية أصبحت القدس بما فيها من مقدسات خاضعة للحكومة الأردنية، وعندما تأزمت العلاقات السياسية بين الأردن، والرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى الستينات عادت هذه المشكلة إلى الظهور، واستمرت حتى الآن وذلك بسبب احتلال الكيان الصهيونى للقدس ودعم سلطات الاحتلال للادعاءات الإثيوبية فى الدير، بل وتمكينها لهم من الاستحواذ عليه وذلك بالرغم من أن قضاء الاحتلال نفسه أكد ملكية المسيحيين للدير.

هذه المشكلة التاريخية هى نموذج من تلك النماذج التى توضح المشاكل التى أنشأها الاستعمار، وعلى رأسها الكيان الصهيونى ذاته، ذلك الكيان الذى يمارس أنشطته الاستعمارية بامتياز، رغم ادعائه أنه يرغب فى السلام مع العرب، ويحاول رؤوسه إقناع الشعوب العربية بضرورة التطبيع معه، لكنه فى ذات الوقت يتلاعب بمصير الشعب الفلسطينى، ويضهد أبناءه ويبطش بهم، ويحرم اللاجئين من حق العودة، ويستولى على أراضيهم، ويتوسع فى بناء المستوطنات، بل ويتلاعب بخلافات مذهبية بين شعوب المنطقة.

والآن على العالم كله أن يعيد الأمور إلى نصابها، وأن يتخذ سلوكًا متسامحًا حقيقيًا، وأن يتوقف الساسة وغيرهم من المتطرفين عن استغلال المشاعر الدينية فى تأجيج صراعات لا طائل منها سوى الخراب والدمار، والأهم أن يعود الحق لأصحابه فى أراضيهم، وممتلكاتهم التى انتزعها الاحتلال منهم.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز