البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
كتبت مقالًا من قبل أشرت فيه إلى مفهوم الحوكمة، وأهمية تطبيقها فى إصلاح المؤسسات الصحفية القومية.. تلقيت بعدها عديدًا من التساؤلات حول ماهية الحوكمة، ودلالة المصطلح، والأهم كيف يمكن تطبيقها فى مصر وعلى أى المؤسسات؟

ولفهم الحوكمة ببساطة يمكن شرحها بأنها عبارة عن مجموعة من المعايير والقواعد التى تهدف إلى المساهمة فى تحسين مستوى الأداء، وتوفير الرقابة الفاعلة، والتى أصبحت من أهم متطلبات الإدارة الرشيدة فى الشركات والمؤسسات فى مختلف دول العالم، بل وتعتبر من آليات استكمال عمليات الإصلاح الإدارى، والمالى، والتطوير المؤسسى، من خلال تعزيز مبادئ العدالة والشفافية والإفصاح، وتعزيز المساءلة لضمان عدم تضليل مالكى الشركات من قبل الموظفين، والمديرين العالمين بأسرار الإدارة، والذين يمكن أن يستفيدوا من المعلومات التى لا يستطيع أصحاب المؤسسات الوصول إليها.

وتهدف الحوكمة فى الشركات إلى حماية أصولها وممتلكاتها، وإدارة استثماراتها بكفاءة، بالإضافة إلى تحسين الأداء الاقتصادى، وزيادة الإنتاجية، كما توفر الاطمئنان لدى الملاك نحو تحقيق عائد مناسب لاستثماراتهم، مع ضمان الحفاظ على حقوقهم، من خلال مساعدة إدارة الشركات فى تحقيق الأهداف واتخاذ القرارات المناسبة.

أما عن كلمة حوكمة فهى مأخوذة من لفظ إنجليزى هو"Governance" ، ويمكن استخدام الحوكمة على المؤسسات والشركات والأفراد حال قيامهم بأعمال إدارية تتطلب تعاملات مالية، أو تجارية، أو إدارية، إلخ، لضمان دقة متابعة تلك العمليات، إذ يتحول الأفراد فى هذا النظام إلى أرقام، وهى نفس فكرة الرقم القومى.

وأظن أنه من المهم ربط تنفيذ آليات الحوكمة بالرقم القومى أصلاً ، فهذه الأرقام ترتبط بهوية الموظف، ولا يمكن له القيام بعمله إلا باستخدام هذا الرقم الكودى، وتتحول العمليات التى يتم إجراؤها إلى أرقام أيضًا، حيث يقوم النظام بتشكيل أكواد لا نهائية لجميع العمليات، وهى أرقام وأكواد لا يمكن تكرارها أبدًا حتى لو قام بها شخص واحد وحتى لو كانت من نفس النوع، وبذلك يتم رصد هذه العمليات بدقة بحيث يمكن تتبعها ومعرفة الشخص الذى قام بها، وتاريخ وزمن القيام بها.

والعمليات هنا لا يمكن محوها من ذاكرة النظام حتى إن تم التراجع عنها، أو حتى لو تم محوها من قاعدة البيانات فى المؤسسة التى نفذتها، حيث يتم نقلها إلى شبكة مركزية تعمل بنظام إلكترونى "ذكى" يمكنه تتبع الأرقام والأكواد وربط العمليات المختلفة التى يقوم بها شخص واحد أو عدة أشخاص بعضها ببعض وتحديد الارتباط بينها، مهما كان تاريخ أو نوع العملية، و يمكن أن تكون قاعدة البيانات تلك مملوكة "مثلاً" للجهاز المركزى للمحاسبات، على أن يكون بإمكان الأجهزة الرقابية الاطلاع عليها حين الحاجة لذلك، حيث يتم عمل نسخة من العمليات على قاعدة البيانات المركزية بشكل يومى، وتنتقل تفاصيل العمليات إليها بمجرد القيام بها والانتهاء من تنفيذها والاحتفاظ بها للرجوع إليها فى أى وقت كمستند رسمى دقيق.

هذا النظام يسمح للدولة بمتابعة جميع الأنشطة الاقتصادية بدقة متناهية، وهو أمر مهم جداً لعدة أسباب:

أولاً سهولة حصر التصرفات المالية، وبالتالى تحديد الضرائب المستحقة عن تلك العمليات بدقة أولاً بأول، وهو ما من شأنه القضاء على ظاهرة التهرب الضريبى وتسهيل حصول الدولة على مستحقاتها.

ثانيًا، سهولة تعقب عمليات الاستيلاء على المال العام، وربما الخاص أيضًا، وهو أمر يصعب تعقبه حاليًا، فى ظل عدم وجود نظم تسجيل للعمليات التجارية، إلا لدى المؤسسات والتجار أنفسهم، وهو أمر يسهل إخفاؤه عند الحاجة.

ثالثاً، سهولة متابعة عمليات غسيل الأموال، إذ أنه فى هذه الحالة لن يمكن إدخال أى أموال إلى مصر إلا بعد تسجيلها ومتابعة حركتها دخولاً وخروجاً، وأيضًا، يمكن حصر العمليات التى دخلت فيها تلك الأموال وهو أمر مهم أيضًا لتعقب الأموال التى تستخدم فى عمليات غير قانونية.

يخطئ من يتصور أن هذا النظام يجب تطبيقه على مؤسسات الدولة فقط، إذ أنه من المهم جدًا تطبيق نظام الحوكمة على جميع المؤسسات سواء العامة أو الخاصة، وأيضًا على المحال التجارية والمطاعم، بل والأفراد الذين يقدمون خدمات خاصة مثل الورش الصناعية، واتحادات الشاغلين، والسماسرة، وحتى الباعة الجائلين يجب أن يتم إخضاعهم لهذا النظام، الذى لن يسمح فقط للدولة بمتابعة النشاط الاقتصادى "المخفى"، ولكنه سيسمح أيضًا، للدولة بمتابعة المتلاعبين والمخالفين.

وسيسمح بحماية أفضل للمواطن على جميع الأصعدة، وهو أمر سهل إذا تم إلزام جميع القائمين بالأنشطة الاقتصادية باستخدام نظم الدفع الإلكترونى.. وقتها لن يتحرك "قرش صاغ" داخل الدولة دون أن تتمكن الدولة من تعقبه ومنع الاستيلاء عليه أو التلاعب به من أى شخص، بل والحصول على المستحقات الضريبية فى نفس اللحظة التى يتم فيها النشاط.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز