البث المباشر الراديو 9090
أحمد الطاهرى
اللغة كما يصاغ بها الكلام، كثيرًا ما تكون فى دروبها بيان للحال، حال الأفراد وحال الأمم، وما حال الأمم إلا انعكاس لإرادة الشعوب.

أقول الأمم وليس الدول، لأن الدول نظام سياسى وكيان قانونى، ولكن الأمم خصائص بنيت على التفرد بين أقرانها، ومصطلح الأمة المصرية هو أقرب إلى وجدانى، نعم فنحن أمة كبرى لها خصائص مميزة انعكست على مقومات وصفات وجينات هذا الشعب المتحضر الذى تستهويه أحيانا فانتازيا التخلف.

موزاييك الشخصية المصرية الجامحة التى صهرت محيطها الجغرافى ونسبها الحضارى عبر آلاف السنين يدفعنى دوما إلى التمسك بقدسية "الأمة المصرية"، هذا الموزاييك الذى يمصّر الغريب إذا حضر إلى أرض مصر، ويلفظ الدخيل إذا أقحم نفسه فى خصائص التكوين المصرى، والأمثلة على ذلك كثيرة من الهكسوس إلى الإخوان، تلك الحكمة وهذا الكبرياء الحضارى الذى لخصه توفيق الحكيم بجملته الشهيرة وهى إن "أفقر فلاح فى مصر تحت جلده 5000 سنة حضارة".

والآن ونحن على أعتاب عام جديد تفرض سنة الحياة نفسها فى تأمل ما مضى وتدبر ما هو قادم متمسكين بالحلم والأمل، مستوعبين أو هكذا نظن ما مضى درس وعبر.

فى يناير المقبل يكون قد مرت 8 سنوات على أخطر محاولة هدم للدولة المصرية، مهما كانت الدوافع للفعل الثورى الذى جرى، ولكن مصير الأمم لا تشفع فيه النوايا الحسنة.

هذه الفترة الزمنية تجعلنا نقف أمام ما أصنفه كأفعال مبنية للمعلوم وأخرى مبنية للمجهول فى واقعنا المصرى، عندما نقول إن "ثورة يونيو أعادت الحياة إلى مصر" فهذا فعل مبنى للمعلوم، أن نقول "السيسى أعاد بناء مصر" فهذا فعل مبنى للمعلوم، أن نقول "الدولة المصرية أستعادت هيبتها" فهذا فعل مبنى للمعلوم، أن نقول "قواتنا المسلحة تحمى مصير الوطن بالدم والنار" فهذا فعل مبنى للمعلوم، أن نقول "الشعب المصرى هزم الإرهاب" فهذا فعل مبنى للمعلوم، أن نقول "الشرطة المصرية أعادت الطمأنينة للمجتمع" فهذا فعل مبنى للمعلوم، أن نقول "قداسة البابا تواضروس عمل لوحدة النسيج الوطنى" فهذا فعل مبنى للمعلوم، أن نقول "الدولة هزمت فيروس C" فهذا فعل مبنى للمعلوم، أن نقول "القيادة السياسية انتصرت لكرامة المواطن وتقضى على العشوائيات" فهذا فعل مبنى للمعلوم.

أما الأفعال المبنية للمجهول فهى دائرة تحتاج إلى التوقف لأنها تتعلق بخصائص المجتمع المصرى والتغيرات التى تطرأ عليه وتستدعى الانتباه.

من بينها أن نقرأ خبرًا أو نسمع مقولة "الاعتداء على السنة النبوية الشريفة" فهذا فعل مبنى للمجهول، يدفع به رجال الدين عندما نطالبهم بالتصدى لمسؤولياتهم بتجديد الخطاب الدينى، ومن بينها أن نسمع مقولة "إنهم يدمرون صرحًا طبيًا يعالج الأطفال بالمجان" فهذا فعل مبنى للمجهول، ويتم الدفع به بدلا من الحوار الجاد والمسؤول حول أسئلة مشروعة، والأغرب أن من يدفع لتحجيم الرأى هم أهل الرأى، وعندما نقول أن "الإعلام المصرى يمر بأزمة ويخسر مصداقيته" فهذا فعل مبنى للمجهول، ولا أحد يتحدث عما يجرى فى الصناعة الإعلامية بلغة العلم والأرقام، وأن ما يجرى تصحيح لوضع منفلت، وفى المقابل لا أحد يتحدث عن الرسالة الإعلامية المصرية وسبب ارتباكها.

هذه نماذج ثلاثة لأفعال مبنية للمجهول ولكنها تتعلق بصلب الفكر المصرى، وهو مثلث الفهم السليم للدين وحرية الكلمة وبناء الوعى ، هذا المثلث الذى كان وما زال جوهر ثورة يونيو ومشروعها الوطنى.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز