أحمد محمود
وكان من شروط المسابقة أن حظر القطاع على الفنانين المشاركين التقدم بأعمال تم عرضها أو تحكيمها فى مسابقات سابقة، بما فى ذلك المشاريع الفنية الخاصة بالتخرج أو السنوات الانتقالية بالكليات المتخصصة، ومن يثبت مخالفته لأى من الشروط السابق ذكرها يتم رفع العمل من العرض وسحب الجائزة، ويحق حرمان المشارك المخالف من الاشتراك لدورتين متتاليتين، ومن هنا جاءت الأزمة فى صالون الشباب هذا العام، بسبب أن مجموعة من المشاركين والمشاركات خالفوا هذا الشرط بالتحديد.
بعد صدور النتيجة وفوز عدد من المشاركين الذين خالفوا الشرط بعدة جوائز، أصدر قطاع الفنون التشكيلية برئاسة الدكتور خالد سرور قرارًا برفع وسحب تلك المجموعة من الأعمال المخالفة، بالإضافة إلى سحب الجوائز سواء الرسمية أو غير الرسمية التى ترتبت على قبولهم للعرض، وشدد على تطبيق لائحة الصالون بحرمان هؤلاء المُخالفين من المشاركة فى صالون الشباب لمدة عامين، بالإضافة إلى حجب الجوائز الرسمية التى تم منحها لأى من الفنانين المخالفين مع استمرار باقى الجوائز كما هى دون أى تغيير.
والحقيقة أننا أمام عدة أمور يجب الانتباه إليها وهى: أولًا أنه فيما يبدو أن المشاركين المخالفين، لم يأخذوا أمر الشروط المذكورة فى استمارة المشاركة بجدية، شأنهم شأن معظم المخالفين لكل الشروط والقواعد، من الذين لم يعتادوا أن تؤخذ الشروط والتعليمات بجدية، بحيث أصبح هناك قدر كبير من تجاهل القواعد، تماما كما يحدث فى إشارات المرور فى الشوارع، أو بالسير عكس الاتجاه فى الشوارع الخالية بالمدن الجديدة، أو حتى من سائقى التوكتوك الذين يعيثون فسادًا فى معظم شوارع القاهرة، ومنها شارع "الصحافة" الشهير، دون أن يفهم الناس كيف تأتى مركبات التوكتوك المحظورة أصلًا، وهو أمر يحتاج أن تنتبه إليه الدولة بمحاولة القضاء على "ثقافة" الفهلوة بشكل عام.
الأمر الثانى هو أن تلك المخالفة التى جاءت بقدر من "الفهلوة"، وربما بقدر آخر من عدم القدرة على تنفيذ أعمال جديدة بسبب التكلفة، قوبلت بقسوة شديدة من اللجنة المنظمة، حيث قوبلت بالحرمان لمدة عامين من التقدم لصالون الشباب مرة أخرى، وكنت أتمنى لو كان هناك قدر من الرأفة بهم، إذ كان سحب الجوائز منهم كافيًا لتلقينهم درسًا كبيرًا، وهو أنهم كانوا قادرين على الفوز لو أخذوا أمر الشروط بجدية أكثر.
الأمر الثالث هو أننى لم أجد مطلقًا ما يبرر حجب الجوائز وعدم منحها لفائزين من باقى المشاركين، خصوصا وأنه كان من حق المشاركين ممن التزموا بالقواعد، وقدموا أعمالًا ذات مستوى جيد، أن يحصلوا على تلك الجوائز بدلًا من المخالفين، وبحيث لا يكون العقاب جماعيًا على كل الشباب، من التزم ومن خالف الشروط، وكأن اللجنة أرادت توفير المبالغ المخصصة لتلك الجوائز، وحتى لا يبدو الأمر وكأن هناك تعسفًا ضد الشباب بشكل عام، أو ربما بشكل خاص!
قمت بزيارة المعرض قبل كتابة هذا المقال، وأبهرنى كم "الفن" الموجود هناك من إبداع الشباب المشاركين، وتمنيت لو ازداد عددهم، أو عدد الصالونات الفنية بقدر المستطاع، إذ ربما يفتح ذلك آفاقًا رحبة جديدة من المغامرة والفن والتجريب، تلك المغامرة التى عبر عنها الفنان أسامة إمام قوميسير الصالون، فى أحد التصريحات المنسوية إليه حين قال إن عنوان الصالون "روح المغامرة"، حيث إن المغامرة والتجريب كانا وما زالا سببين للوصول إلى كل ما هو جديد ومتطور فى الحياة، وأن الخوف والتردد أيضًا كانا سببًا لكل جمود وخضوع، ولم تأت الإنجازات الإنسانية إلا عن طريق المغامرين الذين فتحوا آفاقًا جديدة للتفكير والبحث عن كل جديد وغير مألوف سابقًا، وهو بالضبط ما كنت أتوقع أن تكون اللجنة المنظمة قد انتبهت إليه فى تعاملها مع تلك الواقعه، إذ كان عليها أن تحافظ على تطبيق اللائحة فى الوقت الذى تحرص فيه على الحفاظ على روح المغامرة لدى هؤلاء الفنانين الشبان من أجل إطلاق روح الفن فيهم.
وكان إمام قد صرح أيضًا لإحدى الصحف معقبًا على الأزمة قائلًا: "أننا يجب ألا نسىء النية بالفنانين الذين تم سحب جوائزهم، فهم خالفوا شرطًا من الشروط عن غير قصد، ويبدو أنهم لم يقرأوا الشروط الموجودة على الاستمارة، والتى تشترط أن تكون الأعمال المشاركة فى الصالون لم تعرض من قبل فى أى من الفعاليات الفنية، وهو الذى لم ينتبه إليه الفنانون الذين تم سحب جوائزهم.
أدعو وزارة الثقافة لإعادة النظر فى الإجراءات التى تم اتخاذها فى هذه الأزمة، كما أدعو اللجنة المنظمة للصالون لإعادة النظر فى لائحة المشاركة بحيث يتم تحديثها للسماح لقطاع أكبر من الشباب للمشاركة فى الصالون، لا سّيما مشاريع التخرج للكليات الفنية، والذى من شأنه إتاحة الفرصة للخريجين للاستمرار فى مجال الفنون، واكتشاف ودعم أكبر عدد ممكن من المواهب الشابة، وهو أمر تحتاج مصر إليه بشكل كبير الآن أكثر من أى وقت مضى.