أحمد محمود
والحقيقة أن هناك تطورًا كبيرًا قد حدث بالفعل فى الفترة السابقة فى مناح شتى بالدولة المصرية، وهو تطور ربما لايشعر به المواطن العادى بسهولة، بسبب أن المواطن عادة ما يقيس حجم الإنجاز بما يؤثر فيه بشكل مباشر، وبما ينعكس على دخله ومدى سهولة حصوله على متطلباته اليومية، وبما يؤثر بشكل إيجابى على الأسرة من صحة وتعليم وملبس ومأكل ومشرب، وهو أمر أصبح صعبًا بعد تعويم الجنيه المصرى، وارتفاع الأسعار لثلاثة أضعاف على الأقل، بينما لم يتطور متوسط دخل الفرد، ولم تتحرك الأجور بنفس القدرالذى تحركت به الأسعار.
فى وسط هذه الصعوبات والتحديات تبرز طاقة أمل مهمة، تلك الطاقة تتمثل فى جامعة القاهرة، تلك الجامعة العريقة التى تخرج منها أعداد كبيرة من علماء وكتاب وشعراء وباحثون وفنانون وساسة، أثروا الحياة المصرية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا.
ماحدث أنه تولى رئاسة الجامعة أستاذ للفلسفة، هذا الأستاذ هو الدكتور محمد عثمان الخشت، الذى عرفته مدرسًا للفلسفة ومعيدًا لها فى أوائل التسعينيات بكلية الآداب، هذا الأستاذ الذى تتلمذ على كبار أساتذة الفلسفة أمثال الدكتور حسن حنفى، والراحل الدكتور عاطف العراقى وغيرهم، أدرك ببساطة أن بناء الطالب لا يأتى بالعلم وحده، بل بالفكر والفن أيضًا، وهو ما بدا واضحًا فى إدارته للجامعة، وفى أنشطتها التى تطورت تحت رئاسته كما لم تتطور فى سنوات عديدة من قبل.
تابعت الكثير من المؤتمرات الفكرية والمهرجانات الفنية التى أقيمت بجامعة القاهرة منذ تولى الخشت رئاستها، وكان آخر الفعاليات التى إقامتها الجامعة، حفل فنى كبير للموسيقار المصرى عمر خيرت، وهو ما يؤكد فهم الخشت لأهمية الفنون فى إثارة الإبداع لدى الطالب المصرى.
فى لقاء عًقد بجامعة القاهرة مع الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصرى الأسبق، والذى تحدث فيه عن تجربته الخاصة والعامة، يقول الخشت فى رسالة لطلاب الجامعة:
"أحد أهدافنا تواصل الأجيال ونقل الخبرات فى إطار مشروع تطوير العقل المصرى، ومن هذا المنطلق كان لا بدَّ من تعريف الطلاب بالتجارب الناجحة للشخصيات المؤثرة للاقتداء بها ولتغيير طرق تفكير الطلاب، والسفير أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية شهد منعطفات مهمة فى تاريخ مصر والوطن العربى، ومن أهم الدروس التى يجب أن نستخلصها من التجارب الناجحة: أن يُعبر كل شخص عن نفسه ويعرف قدراته وما يتميز به وفى أى اتجاه، وأن يتم تحديد هدف، مع ملاحظة وجود هدف مرحلى وهدف استراتيجى، والعمل على اتباع كل الوسائل الأمينة التى تؤدى إلى تحقيق الهدف.
ويجب عدم الاعتماد على الحظ فقط، بل لا بدَّ من الإرادة والتصميم والعمل واتباع كل الوسائل المؤدية لتحقيق الهدف، وضرورة وجود البديل، والقراءة التى تساهم فى تحسين طرق التفكير وهى طريق العلم الذى هو طريق التقدم، وربط التجربة الخاصة لكل فرد بالتجربة العامة للوطن".
تحدث الخشت عن مبادئ مهمة جدًا تحتاجها مصر فى الفترة المقبلة، وأهمها المصداقية والأمانة، وضرورة أن يكون الحديث فى حدود الاختصاص والسلطة، وبالتالى نحتاج إلى إدراك حدود كل منهما، فلو أدرك كل مسؤول فى مصر هذه الخطوط لانساب المجتمع فى منظومة متناغمة من أجل التنمية.
تحتاج مصر أن تعتمد أسلوبًا فلسفيًا واضحًا، أسلوبًا يحث على التفكير وإعمال العقل، ليس فى التعليم فقط بل فى كل شئ، وفى ممارسة جميع الوظائف العامة والخاصة أيضًا، إذ يجب أن يكون لدى كل صاحب عمل منطق فلسفى واضح لما يقوم به، وأن يحدد بدقة الوظائف التى يشغلها، و المهام المطلوبة منه، وحدود سلطاته.
ما أتحدث عنه من اعتماد الفلسفة ومناهج البحث فى أمور الدولة كافة، هو ما وصلت إليه أرقى المجتمعات فى أرجاء العالم، ولذلك تقدمت وتطورت تلك المجتمعات التى نتخذها مثالاً نحذو لتطبيقه، ولازالت تلك المجتمعات تتقدم وتتطور فى سرعة متناهية بسبب نهجها هذا.
أتمنى أن يكون 2019 فى مصر هو عام الفكر والفلسفة ومناهج البحث، وأن تتخذ قيادات الدولة من الفلسفة ومناهج البحث نبراسًا لها، فالفلسفة ليست مجرد القدرة على نظم كلمات معقدة ومبهمة، بل هى بالأحرى منهجًا يهتم بالتحليل وتفسير المبهم وإيجاد مسارات للفكر والبحث، فى سبيل فهم أعمق وحل أبسط للمشكلات، ولو اعتمدت الدولة مزيدًا من الفلسفة ومناهج البحث فى معالجة كافة قضاياها، لوصلنا لحلول جذرية للعديد من المشكلات وبأبسط الطرق.