أحمد محمود
يوقاتشييف قال أنه تم مناقشة خارطة الطريق التى ستحكم العلاقة بين الأزهر والمؤسسات الدينية فى أوزبكستان هذا العام 2019، وأضاف أنه من المنتظر توقيع اتفاقية للتعاون بين المؤسستين فى العديد من المجالات.
سألت يوقاتشييف عن سبب اهتمام دولة أوزبكستان بالتعاون مع مصر، ولماذا الأزهر؟
انتبه يوقاتشييف وأجاب بحماس "ربما لا تعلم أن أوزبكستان تعرضت منذ خمسة عشر عامًا لبعض من ظواهر التطرف والتشدد التى تعانى منها مصر، وأن أوزبكستان تتبع المذهب الماتريدى، وهو مذهب كلامى أسسه الإمام أبومنصور الماتريدى المتوفى عام 333 هجرية، وكان الغرض من مذهبه نشر الدين الإسلامى فى بلاد ما وراء النهر، وذلك بتقريب الإسلام لأهل تلك المناطق، الذين كان أغلبيتهم يعتنقون الديانة الزرادشتية والمسيحية واليهودية بالإضافة إلى البوذية فى الجنوب من البلاد".
أوزبكستان خضعت للحكم الروسى 150 عامًا، حدث ذلك منذ روسيا القيصرية وبعدها الاتحاد السوفييتى، وممارسات ذلك الاستعمار بالتضييق على رجال الدين، أدت إلى انخفاض شديد فى عدد الأئمة، وبالتالى اتجاه البعض إلى إصدار الفتاوى المتشددة دون فهم صحيح للدين الحنيف، ما أدى لانضمام العديد من الشباب للحركات المتطرفة، حيث كان إجمالى عدد المساجد بعد الاستقلال 87 مسجدًا فقط، وعدد الأئمة حولى 100 إمام فقط لخدمة 22 مليون نسمة، والآن أصبح هناك 2056 مسجدا، و5 آلاف إمام، لخدمة 33 مليون نسمة، وهو لازال عددا قليلًا وغير كاف، ولذلك تحتاج أوزبكستان لمؤسسة الأزهر لتدريب المزيد من الدعاة والأمة، ولتعريف وتدريب تلك الكوادرعلى الإسلام الوسطى المعتدل.
هذا الأمر يعد خطوة مهمة لاستكمال التعاون مع مصر من أجل مكافحة الإرهاب والتطرف، على المستوى الأمنى بين البلدين فى إطار البروتوكول الذى تم الاتفاق عليه عام 2007 خلال زيارة الرئيس الراحل إسلام كريموف لمصر.
والحقيقة أن كلام يوقاتشييف رئيس أكاديمية أوزبكستان الإسلامية الدولية عن الأزهر، يشير إلى نقطتين مهمتين فيما يتعلق بمؤسسة الأزهر ودورها فى مصر والعالم الإسلامى، إذ أن إدراك دول إسلامية عديدة، على رأسها دول آسيا الوسطى، والتى تحرص على دعوة فضيلة الإمام شيخ الأزهر لكافة الفعاليات الدينية التى تقام بها، وقد منحته أيضا جامعة أوراسيا بكاراخستان الدكتوراه الفخرية، هو أمر يدل على المكانة الكبيرة التى تتمتع بها مؤسسة الأزهر وشيخها لدى تلك الجمهوريات، وهو أمر يجب وضعه فى الحسبان، حيث يشير إلى الدور الدبلوماسى الكبير الذى يمكن أن تلعبه تلك المؤسسة، ويشير أيضا إلى أهمية الدور الوقائى الذى يمكن أن تقوم به مؤسسة الأزهر فى القضاء على التطرف والتعصب والتشدد فى مصر و العالم الإسلامى.
الأمر الثانى هو ما ذكره يوقاتشيف عن اتجاه عدد من الشباب الأوزبكى للتطرف والتشدد، بسبب نقص معرفتهم بالدين، مع أن مذهب الماتريدى هو مذهب كلامى فلسفى، يشجع على إعمال العقل فى فهم الدين، وهو مذهب يستحق مقالًا آخر لشرحه، لكن المهم هنا إدراك أن إهمال التوعية الدينية بالإسلام فى تلك الدولة، والتشديد على رجال الدين وقمعهم، وهو ما نزع إليه الاتحاد السوفييتى ضمن سياساته، كان هو السبب الرئيس فى نشأة تيارات متشددة ومتطرفة فى تلك المنطقة بحسب قاتشييف، وهو ما يلقى بعضا من الضوء على أهمية توسعة دور الأزهر فى التوعية الدينية ونشر ثقافة الاعتدال فى مصر و دول آسيا الوسطى وباقى الدول الإسلامية وربما فى باقى دول العالم.
أتمنى أن تنتبه الدولة المصرية لهذه الملاحظات التى أثارها حديث قاتشييف، إذ تحارب الدولة المصرية إرهابا وتطرفا خطرا، وهى ليست وحدها فى هذا الأمر، حيث تعانى العديد من دول العالم من نفس الخطر، وهو ما يدعو للتكاتف ضد التطرف، لكن هذا يمكن أن يحدث بسهولة أكثر، لو قمنا باستغلال مكانة مؤسسة الأزهر لدى المسلمين، والتى ينبغى عليها التوسع داخل وخارج حدود الوطن، لنشر الفهم الوسطى للإسلام كما كانت تفعل من قبل، وهو ما من شأنه زيادة أعداد المتفقهين فى الدين المعتدل الحنيف، ومكافحة الغلو والتطرف بنشر العلم الصحيح الثابت، لا بالفتاوى غير المسؤولة من المتطرفين أو من غير الدارسين.