البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
يُقال مثلًا أقدم الرجل، أى قام بفعل شىء مقدامًا، ويُقال استقدم الرجل، أى استعان بغيره لفعل الشىء، حرف واحد هنا يغير المعنى والمراد، يميز ما بين المباح والمستباح، حرف واحد فى اللغة العربية، قد يقلب المعنى من مسموح ومقبول إلى ممنوع ومرفوض، بل ومخالف للقانون والأعراف، هذا الحرف هو حرف السين.

يُروى أنه فى أحد التجمعات السكنية، التى تدار بواسطة مجلس إدارة منتخب، ضمن نظام اتحاد الشاغلين، أن قام أحد أعضاء مجلس الإدارة بالحصول على "مزية" خاصة، مستغلًا سلطاته، بأن وضع كاميرا للمراقبة على عامود فى مكان ملكية عامة، لتراقب مسكنه الخاص وسيارته، لتوفر له مزيد من الأمن والأمان، متجاهلًا حقوق الآخرين من الملاك.

تعاقد رئيس مجلس الإدارة المذكور أيضًا مع بعض السكان من أصدقائه، للعمل فى وظائف بأجر داخل التجمع السكانى المذكور، دون إخطار أصحاب المال، مستغلًا سلطاته التى منحها له قانون البناء الموحد، دون أن يخطر الكافة عن هذا التعاقد، الذى يتجاوز أجر الفرد منهم عدة آلاف من الجنيهات شهريًا، بل وأوحى للناس أن هؤلاء الموظفين يقومون بتلك الأعمال، غير المحددة، ولا المعروفة بدقة أنهم متطوعون، فاستباح أموال الملاك مستفيدًا من جهلهم بالحقيقة!

تجاهل الرجل حق الناس فى معرفة ما قام به، مستغلًا سلطاته، فاستباح منفعتهم العامة، واستغلها دون إذن منهم، ولم يجد فى ذلك غضاضة، تمامًا كأن يدلف بعض الناس إلى متجرًا لبيع المواد الغذائية، فيشرعون فى تذوق بضاعته، دون إذن البائع، صاحب الغذاء، ويظنون أن هذا مباحًا، مادام التناول كان بغرض التذوق، وأن البائع سمح لهم بالدخول إلى متجره، وتصور هؤلاء الناس أن تذوق كافة الغذاء مباح، مع أن الأمرغيرذلك.

يستمتع البعض من شاغلى الوظائف العامة والخاصة برواتبهم، دون أن يقوموا بأعمالهم على الوجه الأكمل، وهم فى ذلك يتذرعون بضعف الراتب، فاستباحوا المال العام والخاص أًيضا، واستباحوا حق الجمهور فى خدمة كاملة لقاء أجر وظائفهم، فانتقصوا تلك الحقوق، وعطلوا مصالح الناس، واستباحوا حقوقهم بلا خجل ولا ضمير.

روت لى فنانة شابة أنها عملت لبعض الوقت مع هيئة غير حكومية، ضمن مشروع تنموى لمساعدة "أطفال الشوارع"، وأخبرتنى أن إدارة المشروع كانت تجبرها على التوقيع على تقاضيها راتبًا كبيرًا بالعملة الأجنبية، مع أنهم كانوا يمنحونها راتبًا صغيرًا بالعملة المحلية، فاستباحوا بذلك أموالها وحقوقها، واستباحوا أموال المانحين، ولا نعلم على وجه الدقة ماذا استباحوا أيضًا.

تقوم بعض المخابز بإنقاص وزن رغيف الخبز، متعللين مرات بنقص الدقيق المصروف لهم، ومرات بنقص الدعم من الدولة، ومرات بأسباب أخرى لا نعلمها، لكنهم بفعلهم هذا استباحوا أموال الناس، واستباحوا حقوقهم فى لقمة خبز مطابقة للمواصفات، فعلوا ذلك دون غضاضة أو وازع من ضمير، لأنهم منحوا أنفسهم أعذارًا واهية لترطيب ضمائرهم، وإلقاء الذنب على آخرين، فاستباحوا كل شىء.

أستطيع الاسترسال فى كتابة آلاف الكلمات، فى أمثلة عن استباحة الحقوق والأموال دون وجه حق، فالأمثلة كثيرة فى كل مجال، والمتابع لأخبار الجرائم، يستطيع أن يقرأ يوميًا عن أفراد يتم توقيفهم بسبب اعتدائهم على المال العام، ولازال الكثير لم يُكتشف بعد.

يبدو لى أن آفة الناس فى هذه الأيام هى جهلهم باللغة، وبحرف السين على وجه التحديد، وعن فضله فى الفصل بين الممنوع والمسموح، هذا الحرف الذى لو علم الناس قوته، ومناط استخدامه، لجنبهم الكثير من الوقوع فى خطأ الاعتداء على المال العام والخاص، ومخالفة القوانين، ولتغيرت أمور كثيرة فى واقعنا المعاصر، واستقام الناس، وتقدمت الدولة، وعشنا جميعًا سعداء، لكنه الفرق بين الإباحة والاستباحة، ذلك الفرق الذى يهدر الكثير من مقدراتنا، فى استباحة كبيرة لكل ممنوع بلا وازع من ضمير.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز