حنان أبو الضياء
مؤخرا قررت مطالعة أحد الكتب التى أشار بها جيتس، بل وأثرت فيه بشكل إنسانى كبير" وهى لبول كالانيثى بعنوان WHEN BREATH BECOMES AIR، لتكون المفاجأة الأكثر أيلاما بالنسبة لى.
كتاب "عندما تتنفس ليصبح هواء" الاعلى توزيعا عام 2016 ورشح جائزة بوليتزر لأفضل سيرة حياة، ولكن ليس هذا هو الأهم، أنما ماتعطيه لك مذكرات بول كلانيثي، من طاقة إيجابية مليئة بالشجن، وخصوصا أنك أمام قصة جراح الأعصاب فى جامعة ستانفورد، والذى فوجئ بكونه مصاب بسرطان الرئة، وهو فى مقتبل عمره، وأن المرض دخل المرحلة الرابعة، فقرر عدم الاستسلام لأحزانه ماتبقى من عمره، ليكتب قصته، و يتبادل أفكاره حول كيفية الاقتراب من الموت، بكل هدوء وهو مفعم بالطمأنينة، بل وحاول إرسال رسالة للجميع، للتفكير فى ما يعنيه أن تكون على قيد الحياة بالكامل.
وأنت تتابع الصفحات لن يضيع من مخيلتك صورة بول الطموح الحاصل إلى جانب دراسته للطب على شهادتى بكالوريوس وماجستير فى الآداب وماجستير فى الفلسفة من جامعة كامبردج، العاشق للشعر الرومانسى، وبالتأكيد ستقف لحظات للتأمل عندما تعرف أن أبحاثه فى ما بعد الدكتوراه حول العلاج الجينى فازت بأعلى جائزة بحثية فى تخصصه.
ومن أجمل ما قدمه الكتاب هو رؤيته كطبيب بأنه لم يكن أفضل عمل له هو إنقاذ الأرواح، فالجميع كما يؤمن يموتون فى نهاية المطاف، ولكن الأهم بالنسبة له هو توجيهه المريض وعائلته لفهم الموت والمرض، مؤكدا أن أحد أوائل المعانى لكلمة "المريض" هو "الشخص الذى يتحمل المشقة دون شكوى".
بول كالانيثى فى WHEN BREATH BECOMES AIR، يؤمن بما قاله "هايدجر" بأن الملل هو الوعى بمرور الوقت، وهو يرى أن الحياة ليست العمل على تجنب المعاناة؛ لأن السمة المميزة للكائن الحى هى أن يجاهد.
لقد دفع ألم الفشل فى الشفاء من مرضه بول كالانيثى إلى فهم أن التميز التقنى فى الجراحة العصبية كان مطلبًا أخلاقيًا بالنسبة له، ولم تكن النوايا الحسنة كافية فقط ، وخصوصًاعندما يعتمد الكثيرين على مهاراته، وعندما يكون تحديد الفرق بين المأساة والانتصار بمقدار واحد أو اثنين من المليمترات.
تعلم أيضا قبل رحيله أن الموت يأتى لنا جميعا، هو مصيرنا كالحياة، والتنفس، والكائنات الحية الأيضية، وأن المال والسلطة والجاه وكل زخارف الدنيا مجرد جرى وراء الرياح.
أصبح أكثر إيمانا بما مر عليه من قبل عندما قرأ جراهام جرين بأننا نعيش الحياة فى العشرين سنة الأولى وما يتبقى يكون مجرد تأمل، وبالتالى علينا أن نسأل أنفسنا ما هو الزمن الذى نعيشه الآن؟ هل تجاوزنا الزمن الحاضر ودخلنا فى الماضى التام؟ هل يبدو زمن المستقبل خاويًا وعلى ألسنة الآخرين متنافرًا.
الرائع فى تجربة بول أنه لم يستسلم، وتلقى العلاج من السرطان الى جانب أستثماره كل لحظة لاستعادة قوته والعودة إلى غرفة العمليات لاستكمال عمله كجراح أعصاب مميز، لأنه يهمه أن يموت بشكل لائق.
ومع ميلاد طفلته "لوسى" ضاعف عمله للانتهاء من كتابه لأنه يريد إهداءه لها، فعل ذلك رغم تمزق الجلد الرقيق على رؤوس أصابعه بسبب الكتابة على الكمبيوتر.
أما رسالته الأكثر إنسانية فتشير إلى أنه عندما تصل إلى واحدة من تلك اللحظات التى يتعين عليك فيها التحدث عن نفسك، قدّم مجمل ما كنت عليه، وفعلته ، وأدعو أن لا تنتقص القول بأنك ملئت أيام رجل محتضر بسعادة ولذة لم يعرفها في سنواته السابقة ولذة لا تتعطش إلا لمزيد من الراحة والرضا.