محمود بسيونى
لم يغط الحدث عربيًا سوى قناة الجزيرة القطرية، التى أرسلت مراسلًا وفريق عمل متكاملا لتصوير الحدث وبثه عدة مرات بالإضافة إلى لقاءات مع المشاركين، وانتهى الاجتماع بطلب مباشر من تلك المنظمات للرئيس ماكرون بوقف بيع المعدات العسكرية لمصر بناءً على ما عرضوه باعتباره أزمة تمر بها حقوق الإنسان فى مصر.
اختارت تلك المنظمات توقيتًا مميزًا لطلب ماكرون بهذا الطلب، فهى تدرك جيدًا أن الرئيس الفرنسى فى موقف ضعف سياسى، تلاحقه تظاهرات السترات الصفراء وانهيار الشعبية رغم تراجعه الدراماتيكى عن قراراته الاقتصادية، وهو ما كشف عن نقاط ضعف فى شخصيته، أخطرها التراجع والاهتزاز تحت تأثير الضغوط، وعدم تأكده من صحة قراره قبل إصداره، وبحثه عن دعم تلك المنظمات فى مواجهة معارضيه الأقوياء داخل فرنسا، فضلا عن عدم إلمامه بالوضع فى الشرق الأوسط، وهى حالة عامة يعانى منها الكثير من السياسيين الشبان فى أوروبا وراجعة إلى الموروثات الأوروبية حول طريقة الحياة ونظام الحكم فى الشرق الأوسط مضافًا إليها الصورة المشوهة وغير الحقيقة التى عكستها تلك المنظمات على مدار السنوات الماضية.
والحقيقة أن المنظمات التى طالبت ماكرون بإثارة قضايا حقوق الإنسان فى مصر لا تتمتع بالنزاهة أو الحيادية، بل أن بعضها يتحامل على الدولة المصرية لأسباب شخصية مثل مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومديره بهى الدين حسن، وهو والد زوجة السجين المدون علاء عبد الفتاح، الذى حصل على حكم بالحبس لمدة 5 سنوات فى أحداث مجلس الشورى، وأيدت الحكم محكمة النقض، وهى سلطة قضائية أعلى، وهو ما اعتبره بهى الدين حسن انتقاما سياسيا، حتى أنه أصدر تقريرًا كاملًا بهذا المعنى واعتبر أن كل أحكام محكمة النقض انتقام سياسى وهو ما يهدر كل قيمة للعدالة فى الدولة المصرية، وهو تجاوز عاصف بسلطة القضاء فى مصر، ولا أتصور أن هناك دولة تقبل مثل تلك الاتهامات على قضائها.
المدهش أن مركز القاهرة يخلط بين حرية التعبير وحرية الإهانة، فلقد دافع فى بيان له عن المدونة اللبنانية منى المذبوح التى أهانت مصر دولة وشعبا على وسائل التواصل الاجتماعى، فهل التطاول والسب من حرية التعبير، ولو قبلتها شعوب أخرى فى الغرب، لن تقبلها شعوب الشرق المعتزة بكرامتها.
المتابع لعمل مركز القاهرة سيجد انحيازًا يرقى لدرجة الموالسة مع جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وصلت إلى حد إطلاق نداء لإنقاذ حياة محمد مرسى، وهو أمر مختلق تماما لأن مرسى يتمتع بصحة جيدة وهو وقيادات الإرهابية فى السجون المصرية، وهو أمر محسوم بظهوره المتكرر فى جلسات محاكمته مع قيادات الجماعة الإرهابية، فهو وباقى قيادات الجماعة بمن فيهم المرشد يتلقون العناية الطبية اللازمة، وبعضهم بمن فيهم المرشد أُجريت لهم جراحات باهظة التكاليف.
ولمركز القاهرة علاقات تعاون قديمة مع مؤسسة الكرامة القطرية بجنيف والتى أسسها عبد الرحمن النعيمى الموجود على قوائم الإرهاب الأمريكية، والمعروف بعلاقته بالإخوان وتنظيم القاعدة والتنظيمات المسلحة فى سوريا.
التعاون مع الإخوان تهمة لا تلاحق مركز القاهرة فقط، بل وتصل لمنظمة العفو الدولية التى تحدثت الصحافة البريطانية عن اختراق إخوانى وقع فيها بسبب وصول الإخوانية ياسمين حسين، زوجة وائل مصباح القيادى فى التنظيم الدولى لمنصب قيادى فى المنظمة الدولية، وهو ما يضع الكثير من الشبهات حول عملها ويقلل من مصداقية تقاريرها عن مصر.
من الظلم الفادح أن يبنى ساسة أوروبا وتحديدًا قادة فرنسا، رأيهم عن أوضاع حقوق الإنسان فى مصر على تقارير مسيسة لمنظمات تدعم تقاريرها جماعة دينية فاشية يدها ملطخة بدماء الأبرياء، تاريخيًا هناك تقارب بين قيادات مصر وفرنسا، وفرنسا لديها إطلاع على وضع الإنسان المصرى بموجب التعاون الاستراتيجى بينها وبين مصر، الإنسان الذى يبنى عاصمة جديدة، ويكد فى المشروعات التنموية، ويحمى بدمه أوروبا من الإرهاب والهجرة غير الشرعية، الإنسان الباحث عن الاستقرار من أجل الأمل فى المستقبل، كيف يتجاهله الرئيس الفرنسى؟ تحدث ماكرون عن الحقوق لكن حاجة الإنسان المصرى الحقيقة غابت بفعل فاعل.
لقد واجه الرئيس عبد الفتاح السيسى، سؤال حقوق الإنسان فى الإليزيه، وكشف عن رؤية مصرية واقعية لتنفيذ استراتيجية مصرية للنهوض بالإنسان المصرى تنطلق من إرث حضارى عريق، وخطوات يلمسها المواطن على الأرض تبتعد عن ما يطلقه النشطاء فى صالوناتهم من تنظيرات تخاطب رضا الخارج ولا تمت للواقع بصلة، وعلى هذا الأساس انطلقت مصر بقوة فى ملف إصلاح الخطاب الدينى، وتعزيز قيم التسامح والمواطنة التى دمرتها الجماعة الإرهابية بخطابها الفاشى المستمر منذ ثمانين عامًا.
وواجهت مصر ضغوط الإرهاب والأزمة الاقتصادية معا، ولم تنسِ المهمشين وذوى القدرات الخاصة وسكان العشوائيات، وتقوم بأكبر عملية مسح طبى فى العالم، وتتعاون مع المجتمع المدنى التنموى فى توفير مفردات الحياة الكريمة لغير القادرين.
على العالم الغربى أن يراجع خطابه فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فما يقبله الغرب لن يوافق عليه الشرق، الحضارات تتعاون وتتكامل ولا تنسخ إحداهما الأخرى، ومن غير المعقول أن نظل ندور فى نفس الحلقة المفرغة فلن يستفيد منها، فمصر لن تقبل التهديد أو الإملاء ولا النصائح التنظيرية، أو الضغوط السياسية التى تستخدم لافتة حقوق الإنسان، الإنسان المصرى يبحث عن بناء حضارة جديدة ولن يسمح لأحد أن يجره للفوضى والتطرف والصراع الطائفى مرة أخرى.