أحمد محمود
حدث ذلك أيضًا مع المخرج الراحل أسامة فوزى، صاحب "عفاريت الأسفلت" و"جنّة الشياطين"، الذى رحل أيضًا فى 8 يناير من هذا العام، وانطلقت بعد وفاته نفس العبارات عن الندم وقلة الحيلة فى دعم المخرج العبقرى الذى مات قهرًا، بعد أن توقف عن الإخراج لمدة طويلة بسبب عدم وجود مورد مالى يكفى لتمويل عمله الفنى الأخير الذى كان يسعى لتنفيذه قبل وفاته.
تخرج أسامة فوزى، من قسم اﻹخراج بالمعهد العالى للسينما عام 1984، وهو من مواليد عام 1961، عمل كمساعد مخرج لفترة طويلة منذ عام 1978، مع عدد كبير من المخرجين، منهم حسين كمال ونيازى مصطفى وبركات وأشرف فهمى، وتوقف عن العمل لفترة ثم عاد للعمل منتجًا مع المخرج شريف عرفة وأنتج له فيلم "الأقزام قادمون"، ثم توقف لفترة وعاد مرة أخرى للعمل مع المخرج يسرى نصر الله فى فيلمه "مرسيدس"، ومع الراحل الكبير رضوان الكاشف فى "ليه يا بنفسج".
كانت أول تجربة إخراجية لأسامة فوزى، فيلم "عفاريت الأسفلت" عام 1995، ونال عنه جائزة التحكيم الخاصة فى مهرجان لوكارنو، ثم أخرج فيلم "جنة الشياطين" عام 1999 والذى أنتجه، وقام ببطولته الفنان محمود حميدة فى واحد من أعظم أدواره حيث لعب دور "جثة" رجل ميت.
ذهبت لمشاهدة "جنّة الشياطين" ضمن برنامج نادى السينما الإفريقية، الذى يشرف عليه السيناريست سيد فؤاد، مؤسس ورئيس مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، والذى روى قبل عرض الفيلم حكاية محاولة اتفاق مع الفنانة إسعاد يونس، حول عمل جديد لأسامة فوزى، وتوقيع عقد بينهما، لكن الأمر لم يكتمل بسبب رفض الراحل أسامة فوزى، لتدخلات "إسعاد" فى العمل الفنى، وانتهى به الأمر لرفض تنفيذ الفيلم، وتوقف العمل لعدم وجود ممول حتى وفاته.
كتب فيلم "جنّة الشياطين" السيناريست مصطفى ذكرى، من وحى رواية "ميتتان لرجل واحد" للكاتب البرازيلى جورج أمادو، ويروى الفيلم قصة رجل متشرد يدعى "طبل" يعيش مع مجموعة من المشردين فى منطقة عشوائية نائية، تتمحور حياتهم حول المخدرات والقمار والخمور والجنس.
يموت "طبل" بسبب جرعة زائدة من المخدرات وتضطر عشيقته "حبّه" للاتصال بأسرته لإبلاغهم بوفاته، فتتوجه الابنة لاستلام جثة أبيها لدفنه فى جنازة لائقة، محاولة استعاد اسم "منير رأفت" الحقيقى ووضعه الاجتماعى المرموق، لكن الأصدقاء الذين لا يمكنهم اتخاذ قرارات مصيرية حول ما يجب أن يفعلونه بعد وفاته، يقررون بعد إلقاء نظرة الوداع الأخيرة سرقة جثته والخروج معه فى نزهة أخيرة لوداعه، لكنهم يدركون أنهم لا يمكنهم العيش بدونه بسهولة، حيث لا زالت حياتهم وقراراتهم تتمحور حول تلك الجثة.
والحقيقة أن نهاية كل من أسامة فوزى ومحمد أبوالسعود المأساوية، تطرح تساؤلًا هامًا حول الطريقة التى يمكن أن تضمن للفنانين إنتاج أعمال فنية لا تخضع لآليات الربح والخسارة، حتى وإن كانت تلك الآليات أمرًا طبيعيًا فى ظل حقيقة أن الفن أصبح أيضًا صناعة مثل كافة الصناعات التى تخضع لآليات السوق، وأنه من المهم أن تحقق الأعمال الفنية ربحًا يشجع المنتجين على الاستمرار فى خوض غمار الإنتاج، لكن ماذا لو كان هناك فنان يبحث عن وسيلة لإنتاج أعمال فنية دون النظر لتلك الآليات؟ هل كان على العاملين بالفن التفكير جديًا فى إنشاء صندوق خاص يمولونه من أرباحهم لإنتاج مثل هذه الأعمال؟، وهل يمكن أن يكون ذلك بديلًا لضمان توفير التمويل لأعمال تتحقق فيها مواصفات العمل الفنى المتميز؟ وهل يكون ذلك دعمًا حقيقيًا من الفنانين للفنانين بدلًا من الندم على رحيل فنان موهوب منهم قهرًا؟، تلك هى المسألة.