البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
تابعت الحملة الإعلامية التى تقوم بها هيئة الرقابة الإدارية على محطات الإذاعة لتوعية المخالفين بخطر الغش التجارى والاعتداء على المال العام وخطورة الفساد وأثره الضار على الأرواح والأموال والممتلكات.

والحقيقة أن هيئة الرقابة الإدارية قامت فى الفترة الماضية بجهد كبير جدًا فى الكشف عن الكثير من قضايا الفساد الكبيرة، وغير المتوقعة، واستحقت إعجاب الرأى العام وتقديره على هذا الجهد، وهو أمر تحتاج إليه مصر بشدة لتتقدم فى شتى المجالات دون عوائق، تهدم فى كثير من الأحيان ما تبنيه الدولة وما تقيمه من مشروعات، بسبب حالات الفساد المال والإدارى.

ذكرتنى تلك الحملة أيضًا بمقال كتبته من قبل عن ضرورة إيجاد آليات فعالة لحماية المال الخاص، وضربت مثلًا لذلك باتحادات الشاغلين، وكيف أن معاملات هذه الاتحادات لا تخضع لآليات الرقابة على المال العام، الأمر الذى جعل الكثير من هذه الكيانات تنتهج ما يمكن أن يعد مخالفات قانونية صريحة ضمن تعريف الاعتداء على المال العام، لكنه فى حالة المال الخاص يظل النزاع فيها خاضعًا لإجراءات التقاضى، إذ لا تخضع تلك الكيانات لقواعد المال العام وهيئات الرقابة عليه، وكثيرًا ما تنتهى تلك النزاعات دون طائل، حيث لا يمكن بسهولة إثبات الاعتداء على المال الخاص كما يحدث فى المال العام عن طريق الهيئات الرقابية المختلفة.

وبينما كنت أبحث فى هذا الأمر، تذكرت جهاز الكسب غير المشروع، وهو جهاز حكومى مصرى يتبع وزارة العدل، أنشئ طبقا للقانون رقم 62 لسنة 1975 بشأن الكسب غير المشروع للأفراد الذين يعمدون إلى تحقيق ثروات بطرق غير مشروعة يجرمها القانون، ويعد جهاز الكسب غير المشروع أحد أهم الأجهزة القضائية المستقلة فى الدولة، التى تهدف فى المقام الأول إلى مكافحة الفساد والانحراف بالعمل العام واستغلاله جريًا وراء ثراء غير مشروع.

وتظهر الصبغة القضائية البحتة لهذه الإدارة من خلال تشكيلها، إذ يرأسها أحد المستشارين نواب رئيس محكمة النقض أو رؤساء بمحاكم الاستئناف، ويشغل رئيس الجهاز منصب مساعد وزير العدل لشؤون الكسب غير المشروع، كما يتشكل الجهاز من عدد من القضاة بمحاكم الاستئناف والرؤساء بالمحاكم الابتدائية، ويندبون جميعًا طبقًا لأحكام قانون السلطة القضائية المصرية.

هذا الجهاز هو واحد من أهم الأجهزة القضائية المستقلة المنوط بها مكافحة جرائم الكسب غير المشروع، بالكشف عنها وملاحقة مرتكبيها، وتقديمهم للمحاكمة الجنائية العادلة وصولًا إلى عقابهم عما أسند إليهم فى حال ثبوته، واسترداد الأموال والعائدات الناتجة عن تلك الجرائم، وذلك بالتعاون مع باقى الأجهزة الرقابية فى الدولة مثل النيابة العامة، ووحدة غسل الأموال بالبنك المركزى المصرى، والرقابة الإدارية ومباحث الأموال العامة، حيث يتلقى الجهاز إقرارات الذمة المالية التى يقدمها الخاضعون لأحكام قانون الكسب غير المشروع رقم 62 لسنة 1975، وهى آلية مهمة جدًا لفحص تنامى ثروات الأفراد وفحصها فى حال تضخمها بشكل غير مبرر، حيث يلزم الجهاز الأفراد الخاضعين إذا جاوزت معاملاتهم 50 ألف جنيه خلال سنة مالية واحدة، بتقديم إقرار وقت إبرام التصرف الذى جاوز به المبلغ المذكور مبين فيه عناصر ذمته المالية وقت تعامله الأول، وأن يقدم إقرار ثان وقت إقامة تعامله الأخير، فاذا تعددت الجهات التي يتعامل معها وجب عليه أخطار إدارة شئون العاملين التابع لها بمضمون أى تعامل.

وقد ألزم القانون الجهات المختصة بتلقى الإقرارات، أن تقدم لإدارة الكسب غير المشروع خلال شهر يناير من كل عام بيان بأسماء الأشخاص التابعين لها، والذين يلتزمون خلال العام بتقديم إقرارات الذمة المالية، فى التاريخ المحدد لتقديمها، وأن ترسل إليها هذه الإقرارات خلال مدة لا تجاوز شهرين من تاريخ تقديمها.

كما أنه على تلك الجهات إخطار إدارة الكسب غير المشروع بأسماء الخاضعين لأحكام القانون، الذين تخلفوا عن تقديم إقراراتهم فى المواعيد، حيث تقوم إدارة الكسب غير المشروع بإبلاغ النيابة العامة عن واقعة التخلف عن تقديم الإقرار لإجراء شؤونها، ولا يحول ذلك دون فحص عناصر الذمة المالية للمتخلف.

وقد أوجب القانون على مصلحة الشهر العقارى ومأمورياتها، وإدارات المرور والجهات المختصة بإصدار التراخيص بإقامة المبانى والمصانع والمنشآت وتراخيص الهجرة إلى الخارج، أن تخطر إدارة الكسب غير المشروع بصورة من التعامل أو التراخيص، مع بيان واف من جهة العمل بالنسبة للخاضع من واقع بطاقته الشخصية أو العائلية، حيث تقوم إدارة الكسب غير المشروع بمراقبة قيام جهات تلقى الإقرارات بالواجبات المنوطة بها، ومتابعة أعمالهم فى هذا الخصوص وإبلاغ النيابة العامة فيما يقع من مخالفات فضلا عن إبلاغ رئاستها بتلك المخالفات.

والسؤال الآن، هل تخضع اتحادات الشاغلين مثلًا لجهاز الكسب غير المشروع فى حال تعامل تلك الاتحادات فى مبالغ تزيد على 50 آلف جنيه سنويًا كما هو الحال بالنسبة للأفراد؟ وهل يجب على إدارات اتحادات الشاغلين فى أجهزة المدن والأحياء التى يفترض أن تراقب التصرفات المالية لتلك الكيانات المنتخبة بحسب قانون البناء الموحد أن تبلغ جهاز الكسب غير المشروع بتلك التصرفات؟

أتمنى أن تقوم وزارة العدل بإنشاء شبكة إلكترونية حديثه لجهاز الكسب غير المشروع، بحيث يتيح ذلك للأفراد والمواطنين التواصل مع الجهاز، وتقديم البلاغات فيما يتعلق بالمخالفات التى قد تقع ضمن نطق الكسب غير المشروع، وتقديم إقرارات الذمة المالية إلكترونيًا، وهو ما سيتيح أيضًا حفظ بيانات إقرارات الذمة المالية للفئات الخاضعة لقانون الكسب غير المشروع، على نحو يضمن سرعة تحديث تلك الإقرارات بمعرفة الخاضعين أنفسهم فى المواعيد القانونية المقررة، وبما لا يخل بسرية المعلومات الواردة فيها، وهى خطوة ستسهم كثيراً فى مكافحة جرائم الكسب غير المشروع ودعم إجراءات الحوكمة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز