محمود بسيونى
لم تغب تلك المتغيرات عن ذهنية صانع القرار المصرى، الذى وضع لنفسه هدفا جديدا تماما، وهو صناعة دبلوماسية مصرية متفردة تقوم على المصالح الإنسانية المشتركة، والبناء الدائم على نقاط التعاون واحترام الاختلاف فى وجهات النظر، وهو ما مكن الدولة المصرية بعد مرور وقتٍ قصير من صياغة علاقات جيدة بكل الأقطاب، وأن تتحرك بين محاور الصين وروسيا وأوروبا والولايات المتحدة بسهولة ويسر لا تتوفر لدول أخرى.
مرونة السياسات الخارجية المصرية وواقعيتها والسمات الشخصية للرئيس عبد الفتاح السيسى، مكنت مصر من فتح آفاق جديدة للتعاون مع الدوائر المؤثرة فى المحيط المصرى وكلها على نفس درجة القوة، مضاف إليها اعتماد كل الأقطاب الكبرى على مصر فى ضمان استقرار الشرق الأوسط، وفى المقابل تعظم مصر من عائداتها الاقتصادية مع كل الدول، من خلال تقليل حجم الخلافات والتعارضات وتقسيم الملفات والبناء على المشتركات ونقاط التعاون.
جاء انطلاق الرئيس من إفريقيا إلى واشنطن ليحمل فى طياته بُعدا جديدا للدبلوماسية المصرية تؤكد فيه أنها جزء من القارة السمراء، وأن قيادتها للاتحاد الإفريقى محرك رئيسى لحركتها الخارجية، وهدفها الأساسى هو تحقيق مصالح إفريقيا، لتضيف ملفا جديدا للتعاون مع أقطاب العالم بخلاف الشكل السائد طوال الـ100 عام الماضية من الدبلوماسية المصرية، التى انحسرت فى القضايا العربية والشرق أوسطية.
وضعت مصر نفسها كشريك للإنسان الإفريقى الباحث عن الاستقرار والتنمية واستقلال القرار الوطنى، مصالح إفريقيا من مصالح مصر، كانت تلك هى الرسالة التى نفذها الرئيس السيسى فى غينيا التى يزورها كأول رئيس مصرى منذ عام 1965، تبنى مصر شكلا جديدا للتعاون مع إفريقيا تستعيد فيه زخم التعاون القارى الذى انحسر لزمن طويل فى دول حوض النيل، لتنفتح مصر على كل دول القارة مستعيدة دورها الذى اختفى منذ زمن التحرر الوطنى، رأينا ذلك حاضرا فى غينيا، حيث يتذكرون بكثير من الإجلال دور مصر ومواقف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الداعمة لحريتهم واستقلالهم الوطنى، مصر تبنى على مواقفها التاريخية قواعد جديدة فى زمن مختلف، تعرف فيه جيدا قواعد اللعبة الدولية.
مصر حاضرة فى إفريقيا مثلما هى حاضرة فى الملفات التقليدية الأخرى فى الشرق الأوسط، ويجب على القوى الدولية النظر من جديد إلى الأدوار التى تلعبها مصر فى محيطها، فمصر ليست لاعبا رئيسيا فى الأزمة العربية فقط بل حاضرة بكل ثقلها فى إفريقيا، وتبحث عن مصالح قارتها الأم مع القوى العظمى بنفس قوة حضورها فى الملفات العربية، وتعمل على أن تصبح إفريقيا مصدر تأثير على النظام العالمى الجديد، بما يخدم مصالحها ويحقق تطلعات شعوبها.