البث المباشر الراديو 9090
محمود بسيونى
لم تفاجئنى تعليقات الإخوان الشامتة فى حريق كاتدرائية نوتردام دو بارى التاريخية، ودعواتهم باكتمال احتراق أهم وأبرز معالم الحضارة والإنسانية والتاريخ الفرنسى، المدعومة بربط الكنيسة بالحروب الصليبية، لإقناع أتباعهم بموقفهم اللاإنسانى من حادث أثار حزن العالم المتحضر كله.

هؤلاء هم الإخوان وهكذا تربى أتباع الجماعة الإرهابية، وتلك هى أدبياتهم، الجماعة التى سارت عكس غضب العالم وبررت تفجير المتطرفين لتماثيل بوذا وتجرأ عناصر داعش على معالم الحضارة الأشورية فى العراق، وسمعنا من أتباع مشروعهم نيتهم هدم الأهرامات والمعابد، بحجة أنها أصنام، منبع كل ذلك كراهيتهم لأى حديث عن مدنية الدولة فى العالم العربى، وسعيهم الدائم لقيادة الشارع نحو التعاطف مع التطرف والإرهاب، حتى تحول أتباعها إلى قنابل بشرية موقوتة، تنفجر بموجات من الكراهية عند أى حدث مماثل، حتى فى الدول التى هاجروا إليها، ولذلك أتصور أن وصولهم للحكم ليس فى مصر فقط، بل وفى كل الدول العربية، يساوى تأثير الزلازل المدمرة وانتشار الأوبئة، وهى حالات تستدعى فى أى دولة تدخلا من القوات المسلحة، كقوة نظام تحمى المجتمع من الفوضى الناتجة عن تأثير الكوارث الطبيعية.

تأتى حماية الدولة فى سلم أولويات المصريين بعد ما شاهدوه بداية من انهيارها فى 2011 ثم استعادتها مرة أخرى فى 30 يونيو 2013، فحماية مدنيتها أمر له قدسية شديدة، لأن مدنية مصر هى الحامية لنسيجها الاجتماعى ومكوناتها البشرية من الاحتراب الأهلى، فالدولة المدنية باختصار هى التى لا تميز بين مواطنيها على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس، وتحافظ على تكافؤ الفرص بين كل مواطنيها، ولقد شاهدنا حجم الاستهداف والكراهية التى يكنها ذلك التنظيم الإرهابى للمسيحيين وكنائسهم، وكيف حرقوها وخربوها انتقاما من خروج المصريين للمطالبة بإسقاطهم.

مدنية الدولة تواجه خطرًا داهمًا فى ظل وجود أفكارهم الاقصائية العنيفة، فالتجربة علمتنا أن القوات المسلحة هى القوة الوحيدة القادرة على ردع إرهابهم ومنع تحويل مصر إلى دولة دينية، تلك هى الحقيقة الساطعة، وحسنا فعل البرلمان حينما نص فى تعديلات الدستور على إضافة مهمة مقدسة جديدة للقوات المسلحة، فلأول مرة يصبح لمدنية الدولة المصرية درع وسيف دستورى، يؤكد للعالم أن مصر أغلقت الباب أمام تحقيق حلم التنظيمات المتطرفة فى تحويل مصر إلى دولة دينية يحكمها المرشد، وأنها ستظل جزءًا من حركة الحضارة كما كانت وستبقى إلى الأبد.

فى التعديلات الدستورية انتصارٌ كبيرٌ للتجربة المصرية، مبنى على قاعدة العلاقة المقدسة الموجودة بين الشعب المصرى وجيشه الذى يدفع يوميًا ضريبة الدم، لحماية كل المصريين، وقدم للعالم مشهدًا غير معتاد بحركة البناء والعمل الدؤوب وغير المسبوق، لإنقاذ الاقتصاد والبنية التحتية من الانهيار، والتى حققت نجاحًا مبهرًا غيّر الكثير من المعتقدات القديمة عن دور الجيوش فى المجتمعات الحديثة، وأضاف بُعدا آخرًا لأهمية دور القوات المسلحة فى مواجهة تيارات الإرهاب والفوضى والحفاظ على كيان الدولة من الانهيار، فى ظل ضعف القوى السياسية والحزبية المعارضة التى لم تفاجئنا كثيرًا بوجودها فى مربع الإخوان بعدما فشلت فى إقناع المواطنين بدورها وبأهمية خطابها.

وللأسف تفرغت تلك القوى لتشوية التجربة المصرية، والوقوف ضد إرادة المصريين فى الإصلاح السياسى القائم فى الإساس على أولوية حماية مدنية الدولة وتحصينها فى المستقبل من أى حركة أو تيار يريد تغيير هويتها ويدمر نسيجها الاجتماعى، حتى يتسنى له السيطرة عليها ومن ثم تدمير حضارتها، لأن مشايخه يصفون آثارها بالأصنام، وسكانها بالكافرين، ويتمنون أن يأتى يوم تتحول فيه القاهرة إلى إمارة داعشية أو ولاية عثمانية، وهو ما لن يسمح به شعب وجيش مصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز