أحمد محمود
إذ جرى فتح نحو 8 آلاف مركز اقتراع فى جميع أنحاء إندونيسيا، يوم 17 أبريل الجارى أمام نحو 192 مليون شخص، يحق لهم التصويت للإدلاء بأصواتهم على مدى 8 ساعات فقط، فى انتخابات شملت إضافة إلى اختيار الرئيس ونائبه، التصويت لاختيار 575 عضوا لمجلس النواب، و136 عضوا فى المجلس الإقليمى وهو بمثابة مجلس الشيوخ، و2207 أعضاء فى المجالس التشريعية لـ36 مقاطعة، و17.610 أعضاء فى 514 سلطة محلية، فى أكبر دولة مسلمة من حيث عدد السكان، إذ يزيد عدد سكان إندونيسيا عن 234 مليون نسمة.
نعود إلى برنامج الزيارة حيث لاحظت لدى دخولى إحدى اللجان، أن جميع الناخبين فى هذه اللجنة يرتدون ملابس موحدة ويتحركون بنظام دقيق للتصويت، ثم أخبرنى أحد المرافقين الإندونيسين أن هؤلاء هم مجموعة من المرضى النفسيين والمشردين، الذين جمعوا من شوارع العاصمة جاكرتا، وأنهم خضعوا لبرنامج تأهيلى نفسى وصحى لإعادة إدماجهم فى المجتمع الإندونيسى، وأن ذلك جاء بناء على مادة موجودة فى الدستور الإندونيسى، تنص على مسؤولية الدولة فى حماية المواطن الإندونيسؤ، وهو ما ارتأته الدولة ضرورة لحماية هؤلاء المواطنين من ذوى الاحتياجات الخاصة، ومنح من ينجح البرنامج فى تأهيله منهم الحق فى الانتخاب، وهو الحق الذى كفله لهم الدستور.
بدا لى هذا الأمر مثيرًا للاهتمام والدهشة فى آن واحد، إذ ماذا يمكن أن يغير تصويت عدد من المواطنين، من ذوى الاحتياجات الخاصة قد لا يصل عددهم إلى 1000 مواطن، فى بلد يتكون مما يزيد على 17 ألف جزيرة، ويصل عدد الناخبين المسجلين فى القوائم الانتخابية فيه إلى ما يقرب من 192 مليون ناخب؟!.
هذا الأمر يوضح أيضًا إلى أى مدى تصر الدولة الإندونيسية على الإصلاح، وعلى تطبيق مبادئها الديمقراطية واحترام الدستور، وأنها تسعى لأن تكون واحدة من أكبر الديمقراطيات فى العالم، وأن الديمقراطية لدى هذه الدولة تعنى بالقطع إدماج جميع المواطنين فيها فى المجتمع وفى العملية السياسية والديمقراطية، مهما اختلفت توجهاتهم وآراءهم، وحتى وإن كانوا غير مؤهلين لممارسة حقوقهم السياسية، فإن الدولة الإندونيسية، تسعى لتأهيلهم لممارسة تلك الحقوق لسبب بسيط كما تحدث السيد عارف بوديمان رئيس اللجنة العليا للانتخابات هناك أثناء المؤتمر الصحفى بعد انتهاء الزيارة حيث قال إن ذلك حق كفله لهم الدستور.
سقط الرئيس الأسبق سوهارتو عام 1998 بعد أن حكم البلاد لمدة تقترب من 30 عامًا، ترك البلاد حينها فى وضع اقتصادى متردٍ، واشتعلت بسبب ذلك حرب أهلية طاحنة استمرت 4 سنوات، سقط خلالها ما يقرب من 16 ألف قتيل، لكن استطاعت إندونيسيا أن تعيد بناء نفسها، وأن تدمج مواطنيها الذين ينتمون لعرقيات مختلفة وثقافات متعددة، بل وحتى هؤلاء الذين يعانون من إعاقات نفسية وعقلية، فى نظام ديمقراطى شديد التسامح، استخدموا فيه "البانتشاسيلا" أوالمبادئ الخمسة التى تجمع كل هؤلاء من أجل الدولة ولأجل المواطن. وتلك رواية أخرى