أحمد محمود
أضاف الخبر، على لسان المهندس إبراهيم صادق، رئيس شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، أن هناك اهتمامًا كبيرًا، ونظرة جديدة وجادة من القيادة السياسية لقطاع الغزل والنسيج، لم يشهدها طوال عقود طويلة ماضية، مشيرًا إلى أن الدولة بدأت فعليًّا التعاقد النهائى لتوريد أحدث الماكينات الأوروبية لشركات الغزل والنسيج وأن شركة "غزل المحلة" فى مقدمة هذه الشركات التى سيتم تطويرها وتحديثها، بما لها من عمق تاريخى، وخبرات كبيرة، وسمعة عالمية.
والحقيقة أن هذا الخبر ذكرنى بواقعة شهيرة حدثت منذ عدة أعوام، حين كنت فى زيارة إلى مدينة "بيرجامو" الإيطالية لحضور مؤتمر ومسابقة عن العمارة، نظمتها شركة أسمنت السويس المصرية، وانتهزت الفرصة لاقتناص عدة أيام أزور خلالها ميلانو والبندقية، وبينما كنت أشاهد المحال التجارية هناك، أعجبتنى بعض الملابس التى تنتجها شركة إيطالية شهيرة، وشدتنى أسعارها الرخيصة نسبيًا مقارنة بمثيلاتها من الماركات الأخرى.
سألت البائع عن هذه المنتجات وسر جودتها مقارنة بسعرها الرخيص نسبيًا، ابتسم البائع وسألنى من أى البلاد أنت؟ أجبته: من مصر، زادت ابتسامته اتساعًا وقال: هذه الملابس مصنوعة فى بلادك، فى مدينة "العامرية"، حيث يتم استيراد القطن من "باكستان"، ويخلط بالقطن المصرى، ويتم تصنيعه وجلب المنتجات إلى هنا، اندهشت وسألت: "هل يعنى ذلك أننى استطيع أن أشتريها بالقاهرة، أجاب بالقطع لا، هذه المصانع تدخل ضمن اتفاقية الكويز، وبالتالى غير مسموح بطرح منتجاتها للمصريين".
أصابتنى غصة، وفكرت هل يمكن أن يكون قد تم إضعاف شركات النسيج المصرية لصالح تلك الشركات الأجنبية؟ وهل من المعقول أن يختفى القطن المصرى ليحل محله أقطان مستوردة بدلًا من القطن الشهير صاحب السمعة الدولية؟ ولماذا أُحرم كمصرى من سلعة متميزة رخيصة تم إنتاجها فى بلادى؟
قررت ألا أشترى هذه المنتجات، وقررت من يومها أننى لن أشترى أى شىء من خارج مصر إلا إن كان لا مثيل له هنا، أو كنت أحتاجه لضرورة ملحة، وبسبب سفرى خارج البلاد واضطرارى لذلك.
تشير بعض الإحصائيات لارتفاع قيمة صادرات مصر من الغزل والنسيج، خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2018، حيث بلغت 678 مليون دولار، مقابل 614 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام 2017، بنسبة نمو نحو 10%، بينما انخفضت معدلات استيراد المنتجات النسيجية من 768 مليون دولار فى عام 2016 لتصل إلى 200 مليون دولار مع نهاية عام 2017 بنسبة 73.9%، بسبب الإجراءات التى اتخذتها وزارة التجارة والصناعة بشأن ترشيد الواردات بشكل عام، وهو أمر أثلج صدرى كثيرًا.
أعتقد أن استعادة مصانع الغزل والنسيج المصرية لقوتها وازدهارها، سيسهم بشكل كبير فى دفع عجلة الاقتصاد المصرى، خصوصًا وأن تاريخ صناعة الغزل والنسيج فى مصر منذ إنشائها على يد "طلعت حرب" حين أنشأ شركة مصر للغزل والنسيج عام 1927 كإحدى شركات بنك مصر، يؤكد تاريخ وقدرة مصر فى هذا المجال، وما زلت أذكر أيضًا أننى طالما وجدت أعلى المنسوجات القطنية ثمنًا فى الأسواق الأوربية هى تلك المصنوعة من قطن مصرى، وقد كتب عليها ذلك كعلامة على تقدير المستهلك لها، واستعداده لدفع أثمان باهظة فيها بكل سرور.