البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
جمعتنى مائدة إفطار رمضانية مع عدد من الأصدقاء من أعمار متفاوتة ومهن وتخصصات مختلفة، ودار الحديث من بين ما دار حول التعليم ومشاكل تطبيق منهج وزارة التعليم، ومدى معاناة الطلاب فى التعامل مع الأسئلة الحديثة التى تم اعتمادها طبقًا للمنهج الجديد، وهى أسئلة تتطلب البحث فى مختلف المواد الدراسية بقدر ما تتطلب القدرة على التحليل العميق والدقيق.

والحقيقة أنه رغم اعتراض الكثيرين جدا من أولياء الأمور على توجه وزير التعليم الحالى الدكتور طارق شوقى، وفكرة "التابلت" ومشاكل الاتصال على الشبكة العنكبوتية "الإنترنت"، إلا أنه يجب الاعتراف أن هذا التوجه قد يكون هو الحل الأمثل، للوصول إلى التطور التعليمى وبالتالى العلمى والاقتصادى والتنموى الذى تسعى الدولة إليه، وهو أمر لن يكون سهلا إلا عن طريق تأهيل شبابها بتعليم متطور وقدرات بحثية كبيرة وأدوات تكنولوجية ذكية.

 هذا الأمر يطرح التساؤل حول أهمية بل وضرورة إدخال مادة "مناهج البحث" فى سنوات التعليم كافة، بدءا من التعليم الأساسى وحتى نهاية التعليم الجامعى، بحيث تؤهل الطلاب إلى اعتماد منهج بحثى فى أى شئ يقبلون عليه، وحتى فى أعمالهم بعد التخرج، ولعلنى لازلت أذكر كيف أحدثت دراسة مناهج البحث ثورة فكرية بالنسبة لى، حين درستها أوائل التسعينيات على يد الدكتورة "يمنى طريف الخولى" فى السنة الرابعة بكلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة.

لازلت أذكر أيضا كتاب "فلسفة كارل بوبر" الضخم الذى درسته وقتها، وكيف تمنيت لو أننى كنت قد درست هذه المادة من قبل، التى تضم عدة طرق أو مناهج للبحث العلمى، يمكن أن تكون المفتاح للطلاب فى مراحل التعليم لتحقيق النتائج المرجوة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر المنهجين التاليين:

المنهج الاستقرائى وينقسم إلى قسمين أو نوعين من أنواع الاستقراء هما الاستقراء التام الذى يتتبع فيه الباحث العلمى كل جزئيات مشكلة الدراسة، والثانى هو التتبع الناقص وفيه نجد الباحث العلمى يتتبع بعض الجزئيات فقط لدراسة أثرها على موضوع البحث والوصل إلى نتائج يمكن تعميمها، والمنهج الاستقرائى يستمد يقينه من العودة إلى التجربة، أى يجب أن يعود الباحث إلى المدرك الحسى من أجل التحقق من صحة التجربة.

المنهج الاستنباطى وهو المنهج الذى ينتقل فيه الاستنتاج من الكل إلى الجزء، حيث يستنبط الباحث القواعد التى تنطبق على الجزء الذى يقوم بدراسته، وهو شكل من أشكال المنطق، ويستخدم هذا المنهج فكرة مراقبة الشواهد وذلك للتأكد من صحة النظريات، ومن خلال هذه الاستنتاجات يقوم الباحث بوضع نظرية، ومن ثم يستنبط النتائج التى ستصل إليها هذه النظرية، وذلك فى حال كانت الملاحظات التى بُنيت عليها هذه النظرية سليمة وصحيحة.

هذه المناهج البحثية السابق ذكرها ومناهج أخرى لا يتسع المقال لذكرها، هى السبيل الأمثل لاستكمال الهدف من تطوير منظومة التعليم، وهى وسيلة فعالة لتدريب الطلاب على اعتماد طرق علمية مناسبة لكل شخص فى البحث العلمي، وربما فى أداء الوظائف المهنية بعد انتهائهم من سنوات التعليم، وهو أمر يستدعى وضع خطة "منهجية" لإدراج علم مناهج البحث فى سنوات التعليم المختلفة، وبطريقة متدرجة تتناسب مع نمو عقول الطلاب، وهو أمر إن حدث سوف يؤدى حتما إلى نقلة نوعية فى طريقة تعامل الطلاب مع مناهج التعليم، بل وسيكون طريقًا هاما للقضاء على التطرف الفكرى والدينى، إذ أن القدرة على التحليل وفقا لطريقة بحثية منهجية، يمكن أن تساعد الشباب على تحليل وفهم الخطاب الديني، دون الانسياق لأفكار متطرفة أو غير منطقية، بل ومساعدتهم أيضا فى حياتهم المهنية مهما كان نوعها، وهو ما يمكن أن يمهد الطريق نحو نهضة اجتماعية وفكرية وعلمية شاملة.

لا يمكن إنكار أن هناك تطور يحدث فى مصر الآن، لكنه يعتمد فى جزء كبير منه على السمات القيادية للمسئولين وطريقتهم فى الإدارة، حتى لو كانوا يتبعون خطة استراتيجية قومية، ما ينقص حقا هو أن يكون هناك استيعاب شعبى للخطة التنموية الحالية طبقا لمناهج البحث، إذ يستتبع ذلك أن يتحول سلوك أفراد الشعب إلى سلوك داعم ومكمل لهذه الخطة التنموية فى كافة المجالات، وهو أمر نجحت فيه الدول الغربية، وبعض دول الشرق الأقصي، وهو ما يفسر السلوك الجمعى لشعوب تلك الدول نحو الإلتزام بالقواعد المنظمة للسلوك والحفاظ على تطور بلادهم واستمرار نهضتها وتفوقها.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز