أحمد محمود
ثم تلقيت رسالة من نائبة البرلمان السيدة منى منير تعليقًا على المقال، حول إمكانية التطرق لنقص الإمكانيات التكنولوجية فى مناطق كثيرة من الدولة، وهل كان يجب الاهتمام بإنشاء بنية تحتية قوية للشبكة المعلوماتية الخاصة بالتعليم، لضمان تمتعها بالسرعة والاستقرار قبل تنفيذ تجربه "التابلت"، أو أن نكتفى بتطبيق التجربة فى المناطق المجهزة أولًا.
والحقيقة أن هذا الأمر كان مثار جدل عدد كبير من الناس، إذ إن هناك من كان يرى ضرورة أن يتم تطبيق هذا النظام على السنوات الأولى فقط من التعليم الأساسى، وأن يتدرج حتى يصبح نظامًا شاملا بمرور السنوات، لكن ذلك معناه أن تفقد مصر سنوات طويلة قبل أن يكون هناك تطوير سريع فى بنية التعليم، وربما أن يتم إجهاض تلك المنظومة تدريجيًا قبل أن تبدأ.
والحقيقة أيضًا أن رسالة النائبة المحترمة منى منير، تطرح تساؤلات أخرى حول دور القطاع الخاص فى تطوير بنية التعليم، وهل يجب أن يتم ذلك عن طريق الدعم المالى، بحيث يتم خصم التبرعات التى تتقدم بها تلك المؤسسات للتعليم من قيمة الضرائب المفروضة عليهم؟ أم أن يتم اعتماد خطة جديدة تفتح الباب أمام شركات المقاولات والشركات العقارية، لإنشاء مبانٍ تعليمية مجهزة تجهيزًا متطورًا، وذات بنية تحتية معلوماتية بغرض الاستثمار؟ هذه المبانى وتلك البنية التحتية المعلوماتية، يمكن أن يتم تأجيرها للوزارة أو للراغبين فى إنشاء مدارس خاصة، بحيث يتحقق توفير المبانى المجهزة المخصصة للتعليم، وتتحقق للدولة فى نفس الوقت احتياجاتها الملحة فى هذا القطاع.
حين طرحت وزارة الإسكان فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وبالتحديد فى وزارة المهندس أحمد المغربى أراضى الدولة بأسعار رمزية على الشركات العقارية، مقابل إنشاء مشروع إسكان الشباب القومى، لم تُلزم الدولة هذه الشركات بإنشاء مبانى للمدارس أو للوحدات الصحية فى تلك المناطق، وبقى ذلك التزامًا على الدولة بكل ما يتطلبه من إنفاق ضخم، وهو أمر كان يمكن تلافيه لو أن الدولة ألزمت هذه الشركات بإنشاء تلك المبانى لصالح الدولة، على أن تدار بنظام البناء والتشغيل والتحويل المعروف اختصارًا بنظام"B. O. T"، وهو لو كان قد حدث لوجدت الدولة تحت تصرفها الآن، مئات وربما آلاف المبانى التعليمية والصحية المجهزة، لتطبيق نظام التعليم الحالى أو نظام التأمين الصحى المرتقب.
تستثمر الشركات العقارية فى سوق البناء والتشييد مليارات الجنيهات سنويًا، وتحقق من خلال هذه الاستثمارات أرباحًا طائلة، لكنها تترك فى ذات الوقت عبء البنية التحتية والمدارس والمستشفيات والحدائق العامة على الدولة، حيث تنفق الدولة المليارات سنويًا دون عائد فى معظم الأحيان، ومع ذلك قد تنجح تلك الشركات فى الحصول على عقود إدارة وتشغيل تلك المرافق بعد بناء الدولة لها، محققة أرباحًا أكثر من صفقات التشغيل، وهى صفقات تحمل ما تحمله من تساؤلات، عن جدوى إنفاق الدولة وحدها على تلك المرافق لتحقق منها هذه الشركات الربح كله!
أعتقد أنه قد آن الأوان أن تعيد الدولة النظر فى هذا الأمر، وأن تبحث إمكانية أن تُلزم الشركات العقارية وشركات الاستثمار بتحمل تكاليف البنية التحتية لمشروعاتها كاملة، بما فيها المدارس والمستشفيات والمبانى الخدمية، وأن تسمح لتلك الشركات بإدارة هذه المرافق بنظام التأجير التمويلى، وهو ما من شأنه أن يخفف العبء عن كاهل الدولة، وأن يحقق فى نفس الوقت توفير البنية المطلوبة لنظام التعليم والرعاية الصحية وغيرها.